الرئيسية / النخبة / نجاتي عبد القادر .. عين العين وحبة القلب .. بورتريه بقلم / عبد الرحيم عبد الهادي

نجاتي عبد القادر .. عين العين وحبة القلب .. بورتريه بقلم / عبد الرحيم عبد الهادي

تمر الذكرى الرابعة لرحيل القاص والروائي نجاتي عبد القادر ولا تزداد في القلب إلا الحسرة والسؤال يعيد نفسه علي مرة أخري هل حدث كل هذا فعلا , أم أنني كنت أتخيل ,والكل يجيبني بأنه حدث فعلا ، ألا ترى أنك صرت تجلس وحيدا علي المقهى الذي كان يجمعكم , وصدر سيل من الروايات ولم تجلس أمامه لتسمعه وهو يتجلى في الحديث عن قراءته للعمل( كان يصر علي أن يسمي ما يقوله قراءة وليس نقدا ) بعد فترة فهمت أن هذه طريقته في الحياة ( لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة وليس لأحد أن يجبر أحد علي رأي ) لكم أن تتخيلوا أنه كان يعشق نادي الزمالك ولم يعترض أن يقوم ابنه البكري بتشجيع النادي الأهلي , قد ترونها صغيرة ولكني أرها كبيرة , فأنت لا تجد هذه الظاهرة في كثير من البيوت المصرية , الحرية عنده كانت أصل من الأصول , قيمة لا يمكن التفاوض عليها, في مكتبته رأيت أول صورة لشهيدة الجنوب اللبناني (سناء محيدلي) التي قامت بعملية فدائية قتلت فيها سبعة من جنود العدو الصهيوني , كان هذا في الثمانينات وفي هذا التوقيت قرأ لي أيضا ( من أوراق الغرفة رقم 8) للراحل ” أمل دنقل ” وبعدها أتي بالأعمال الكاملة له واعتكفنا عليها , توقف طويلا أمام أعمال ” يحي الطاهر عبد الله ” , كان يحب مجموعة ( الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة ) كان يستمتع وهو يقرأ لي حكايات اسكافي المودة , ويرى أن يحي الطاهر عبد الله اقترب من صنع ألف ليلة وليلة خاصة بنا نحن المصرين, الإخلاص لإبداعه كان سمته الميزة , ذهبت إليه وكنت في مرحلة الدراسة الثانوية ,أعطيته قصة قصيرة لي ,وقلت أريد أن تعطيني قرارا نهائيا, هل أنا أستطيع كتابة القصة أم لا , ابتسم لي وقال تخيل لو أن العالم اجتمع وقال لك أنك لا تستطيع كتابة القصة , وشعرت في يوم أنك تريد كتابة قصة فهل ستكتب أم لا , قلت له سأكتب , فقال إذا فلتكتب , احترامه لإبداعه جعله يتأخر في النشر كان يرى أن المبدع في مصر واقع بين شقي الرحا , دور النشر الخاصة من جانب والمؤسسات الحكومية من جانب آخر , كان يرفض أن يدفع المبدع ثمن نشر إبداعه من خلال الدور الخاصة ومشاكلها الكثيرة , وفي نفس الوقت يرفض أن يدور كالمتسول في أروقة المؤسسات الحكومية لفترات زمنية طويلة قد تمتد إلى سنوات , حتى ينشر إبداعه, وهذا ما جعله يبتعد عن الوسط الأدبي ومن ثم ابتعد عن الكتابة لفترة طويلة قياسا إلى عمرة القصير ,حتى عاد وهو يقول (لا يعرف الشوق إلا من يكابده ) دعا كل المبدعين إلي عمل جمعية كالتي تنظمها الأمهات المصريات ,وبدلا من أن نقبض نقودا في أيدينا , فليمسك كل مبدع إبداعه في يده , وقد كان , وبهذه الطريقة استطاع أن يرى مجموعة القصصية الأولي ( نشوة الفرح )الذي نشر له قصة منها بعنوان ( ابتسامتها ) في جريدة اليوم السابع في عام 2009, ثم يبتسم له الزمان وينشر عملة الثاني رواية ( ما لم تقله الجدة قاسمة) عن دار نشر المحروسة وبدون أن يدفع أي مبالغ مالية , وقد قرأ الناقد السوري ( محمد غازي التدمري ) مجموعة ( نشوة الفرح ) وتحدث عنها في ندوة نظمت في فرع اتحاد الكتاب في المنصورة بعنوان ( دراسات في القصة المصرية الدقهلية أنموذجا ) وقد قام بطباعة الدراسة في كتاب بعد ذلك الذي قال فيه تحت عنوان ( نجاتي عبد القادر وهاجس السرد الإنساني ) القاص المرحوم نجاتي عبد القادر في مجموعتة القصصية (نشوة الفرح) واحدا من القاصين الذين يحاولون الإشارة إلى تحديد معادلة واضحة المعالم تؤكد أنه لا يمكن للقص أن ينهض بعيدا عن العلاقات الاجتماعية التي تشكل مناهل القص نفسه والكتابة في هذا المستوى تشكل مركز الوعي لمبدعي القصة والسرد خلال شغل منظم فعال للوعي وهذا ما أثبته قدرة القاص على تقديم فضاءات قصصية إنسانية , حملت سمات التطور الذي يسعي إلى تعزيز قوى حركة السرد من أجل تأطير هذه العلاقات بالذات , وهذا ما اشتغل عليه القاص في مجموعته التي تنامي فيه البوح الإنساني الشفيف لدرجة الوله ) .

وقد قام المبدع والناقد الجميل إبراهيم حمزة بكتابة دراسة من رواية ( ما لم تقله الجدة قاسمة) في دراسة بعنوان (مغامرات السرد ومغايراته ) رواية عذبة, تحرث أرضا شديدة الخصوبة ,تشكلت عبر أقلام كبري مثل (هيكل ) والشرقاوي وإدريس وخيري شلبي ويوسف أبو ريه , أعني الرواية الريفية التي تنظر بعين التعاطف للريف .

وقبيل وفاته بأيام قليلة, قمنا في بيت ثقافة أجا بدعوة الجميل ( إبراهيم حمزة ) لمناقشة مخطوط مجموعته ( لم يقل لا ) وكان( إبراهيم حمزة )قد وجه نداء لاتحاد كتاب مصر الذي كان نجاتي عضوا فيه يحثهم على نشر هذا المخطوط وقد نشر هذا في جريدة المساء عقب وفاة نجاتي عبد القادر.

والآن عندما أنظر إلى الماضي أشعر وكأن نجاتي كان يسابق الزمن , فبعد الحادث الأليم منحتني أسرته شرف ترتيب وتنسيق أوراقه الأدبية , فوجدت أنه بخلاف مخطوط المجموعة القصصية (لم يقل لا ) كانت توجد رواية شبه مكتملة , الذي كان يحكي فيها عن شخصية تشبهه والذي حكي فيها عن أمنية البطل أن يكون مولودة الثالث فتاة , ويموت الأب بعد ذلك , وهذا ما حدث فعلا مع نجاتي عبد القادر فلقد تمنى أن يكون مولودة الثالث فتاة , وسكن إلى جوار ربه بعد ذلك, وكأننا نكتب أقدارنا ولا ندري , وأيضا كان قد شرع في كتابة رواية ثالثة

جاءت وفاته صادمة للجميع , وأصابتنا بالذهول , عندما اتصل بي صديقي القاص رضا الأشرم يخبرني بكلمات مقتضبة أن ألتقي به في مستشفي أجا لأن نجاتي مات هو وزوجته في حادث سيارة, لم أستطع الرد وأقول لنفسي أكيد هذا مقلب يفعله بي رضا وأعود وأقول لنفسي المقالب لا تصلح في الموت خصوصا , وأعود وأقول لنفسي وأنا ذاهب إلى المستشفي من الممكن أن يكون نجاتي ورضا اتفقا علي , كنت أفكر في كل الاحتمالات إلا احتمال الموت, الموت الذي يطاردنا جميعا من بعد الولادة مباشرة , ولكننا ننساه دائما ,

يقولون أنه يجب أن تقف وهم يدفنون أحبائك حتى تصدق أنهم ماتوا , فعلت هذا ولكني إلي الآن لم أصدق .

شاهد أيضاً

د.لولوة آل خليفة مبدعة متميزة تنسج الحياة بخيال حكيم

………………… د.لولوة آل خليفة من الشخصيات المضيئة البارزة في الحياة العلمية والإبداعية فى الوطن العربي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *