الرئيسية / مقالات / مستويات التحرر في رواية .. “مغامرات هاكلبيري فن” لمارك توين .. شيماء عزت

مستويات التحرر في رواية .. “مغامرات هاكلبيري فن” لمارك توين .. شيماء عزت

مارك توين (1835- 1910)روائي أمريكي احد رواد الرواية العالمية ،عبر في رواياته عن الزنوج الفلاحين والمهاجرين،اعتبره الكثيرون الأب الشرعي للأدب الأمريكي ،ترجم له مؤخرا المترجم والروائي نصر عبد الرحمن رواية “مغامرات هاكلبيري فن ” صدرت عن دار المجموعة الدولية للنشر والتوزيع عام 2021.  ،قال عنها “هيمنجواي” إن كل الأدب الأمريكي ينبع من رواية هاكلبيري فن وهي أفضل رواية أنتجها الأدب الأمريكي حتى الآن”.

    “هاكلبيري فن” هو الإنسان بمعناه الخالص الذي يسعى للحرية  هو و”جيم” الزنجي من خلال رحلات ومغامرات عديدة في البلاد التي  يمرون عليها ،أشخاص يعانون من القيود قيود الثأر أو الهمجية أو الجهل وغيرها من القيود التي تمنع التحرر باعتباره أساس الحرية.يذكر ستانلي موريسون “إن الحرية هي الخير السياسي الرئيسي لا لأنها غرض في حد ذاتها أو الغرض الرئيسي ولكن لان بدونها   لن يمكن الحصول على الأشياء ذات القيمة”([1])

  البداية تعرف حنّه أريندت في كتابها رأي في الثورات معني  حرية الحرية “هي القدرة على التحرك دون قيود طبقا لإجراءات القانون”ثم توضح معني التحرر بأنه” القدرة على التحرك ” وهو الاشتراط الرئيسي لوجود الحرية ،فلا يمكن لأي إنسان إن يصل الى المكان الذي تحكمه الحرية إذا لم يكن قادرا على الحركة دون قيود”([2])،في روايته يقدم مارك توين عدة مستويات من  التحرر تبدأ بالتحرر من الجهل و تنتهي بالتحرر من الأنانية وحب الذات مرورا بالتحرر من الثأر، التحرر من تقاليد المجتمع ومعتقداته، التحرر من التبعية دون وعي ، التحرر من الخطيئة، التحرر من الجهل وعدم الفهم.ليس شرطا أن يمارس كل من هاك وجيم عملية التحرر في كل مغامرة بل قد يمارسها فرد من أهل المدن التي يدخلونها .

الضبابية وانعدام الرؤية

    كل من “هاك فن” يعاني هو وجيم من الضباب الكثيف، فيفقد كل منها الآخر في عرض النهر، أما “هاك” يسيطر عليه الخوف والشعور بالوحشة “لم تعد لدي أية فكرة أي اتجاه أسلك”  ، لكنه سرعان ما يتمالك نفسه ويجذف الزورق ، فالضباب هنا كما يعلم القارئ رمز لانعدام الرؤية وفقدان البصيرة ،يظهر ذلك في صراع “هاك فن” الداخلي مسألة تسليم جيم باعتباره زنجي هارب والقانون في ولايته لم يحرر العبيد بعد،كما اعتبر نفسه خائنا للأرملة دوجلاس والآنسة  واتسون بتستره على هروب خادمهم لكن في نفس الوقت يذكر كل الأوقات الجميلة التي جمعت بينهما كصديقين وخصال جيم الطيبة النقية وتوقه الشديد للحرية فيتراجع مرتين عن فكرة الإبلاغ عنه، يفسر هذا الصراع ستانلي موريسون ” هؤلاء الكتاب يسلمون بان هناك أحوالا يجب فيها على الفرد الامتناع عن قبول أحكام الدولة وعصيانها سواء أكان محك التقدير الشرائع الإلهية أو الضمير الفردي او ما يسمونه الحقوق الطبيعية”.([3]) لذلك سعى “هاك فن” دون قصد إلى التحرر من تقاليد المجتمع الرافضة للحرية والمساواة .

    من أصعب المواقف جرأة في الرواية من وجهة نظري ما تم في مدينة “اركانسو” ،حين استفز المخمور بوجز الكولونيل شيتربيرن  إلى أن قتله،فاجتمع حشد هائل من أهل المدينة كسروا سياج منزل الكولونيل متدافعين نحو منزله ليشنقونه بلا محاكمة، فيطل عليهم القاتل بقلب جرئ ببندقيته ليواجههم، لم يوضح الروائي مارك توين سببا للقتل أو يشرح ظروفا أعمق لما حدث، إلا أن القاتل يقوم في هذا الموقف بتعرية المجتمع الذي يعيش بينه مواجها كل  فرد بحقيقته الفاسدة، هم يتظاهرون بالشجاعة مندفعين بلا بصيرة او وعي ، بينما يتخلون عن الضعيف ويؤذون الحيوانات الأليفة  بالمدينة ، تنقلب الموازين ،يعود الناس يجرون أذيال الخيبة.

   حين يصحح الفرد خطيئة تورط في فعلها يتحرر منها ، يتراجع عن الاستمرار فيها ويبدأ طريقا للعودة إلى صفاء الروح ،هاك فن ظل يؤلمه  ضميره من أجل ماري جين والفتاتين لأن المحتالين يخططان لسرقة كل أموالهم وأملاكهم والهروب من القرية ،لكن هاك فن قرر الرجوع عن الاشتراك في تلك الجريمة، فقام بسرقة المال في نفس الليلة  وإخفائه في تابوت الأب المتوفي ثم اعترف لماري  جين بعدها  واثقا في شجاعتها في مساندتها.

    قام جيم الزنجي  بالتحرر من  الجهل حين تعرض مرتين لفقدان أمواله في الريف قبل هروبه من مالكته الآنسة واتسون ، نتيجة تكرار خبرة ضياع الأموال تعلم أن يأخذ حذره قبل أن يقرض أمواله ، كما تحرر جيم  أيضا من الأنانية و حب الذات في مزرعة فيلبس حين تنازل  عن حريته إنقاذا لحياة توم سوير، أصر على إحضار طبيب له كما ساعد الطبيب في تمريضه دون أن يهتم أن يقبض عليه أهل المزرعة مرة ثانية، فعرف بعد نجاة توم سوير بخبر عتقه من العبودية، لولا نجاة توم لظل جيم هاربا خائفا ظنا منه أنه لا يزال عبدا،كما اكتسب احترام أهل  القرية ومحبتهم بجانب 40 دولارا تعويضا من توم سوير ، ليبدأ بحريته حياة جديدة وميلادا آخر،ليؤكد مارك توين أن أفضل علاج للعنصرية والرق هو تصحيح المفاهيم . أما “هاك فن” في بداية الرواية يتشكك في مساعدة الرب له في نهاية الأحداث وكثرة المشكلات التي تعرض لها هو صديقه جيم جعلته أقوى وانضج تفكيرا واثقا من  العناية الإلهية .

    تؤكد حنّه أريندت أن “الحرية تتطلب وجود مكان يجتمع فيه الناس  مثل ساحة عامة أو سوق أو مدينة أو مجالا سياسيا صحيحا” ([4])، لذلك يدخل هاك الفتى الصغير مدن وقرى مختلفة يلتقي بأفكار و مشكلات متعددة بحثا عن الحرية أو المعني الحقيقي لوجوده، فرحل هو جيم إلى  جزيرة جاكسون ،قرية الثار بين العائلتين “جرانجرفورد وشيبردسون”، مدينة اركانسو،و أخيرا مزرعة فيليبس، كما هرب جيم تاركا سيدته و أهله باحثا عن ولاية” كايرو” حيث حُرر فيها  العبيد.

   يتضح الأسلوب السلس للمترجم نصر عبد الرحمن فهو روائي صدر له أربع روايات : “والنار “،”حبيبتي مروة”، “وجه البهلوان ” ، “متاهة مونيكا” كما يصل للقارئ قراءته العميقة للرواية قبل الترجمة كي يحدد بدقة كلمات كل شخصية  بناء  على تكوينها المعرفي والاجتماعي.

…………………………………………………………………………………………………………………………..


ص 68   ،الهيئة العامة لقصور الثقافة، عام 2012     ستانلي موريسون: الحرية ، اعداد عادل سميح،  [1]

  حنة إريندت: رأي في الثورات: ترجمة خيري حماد، سلسلة إصدارات خاصة الهيئة العامة لقصور الثقافة، عام 2011   ،ص 35،39( [2]

،الهيئة العامة لقصور الثقافة، عام 2012   ،ص 85  ستانلي موريسون: الحرية ، اعداد عادل سميح،        ([3]

حنة إريندت: رأي في الثورات: ترجمة خيري حماد، سلسلة إصدارات خاصة الهيئة العامة لقصور الثقافة،  عام   2011  ، ص 38  [4]

شاهد أيضاً

التأثر بالفانتازيا والواقعية السحرية في مجموعة “الحائط الخلفي للمطعم”للكاتبة أمال الميرغني …. بقلم نسرين نور

الحائط الخلفي للمطعم مجموعة قصصية للكاتبة أمال الميرغني صدرت عن الهيئة العامة للكتابتتكون المجموعة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *