الرئيسية / مقالات / تنوع الراوي في الحكايات الستة عن “ريحانة “للقاص أحمد ثروت .. شيماء عزت

تنوع الراوي في الحكايات الستة عن “ريحانة “للقاص أحمد ثروت .. شيماء عزت

   

الكاتب أحمد ثروت صدر له كتابين نباتات الأسفلت عن دار عماد قطري ، وللأطفال” آدم و الحكايات الستة ” عن دار واو . صدر له  حديثا مجموعته القصصية  الثانية “ الحكايات الستة عن “ريحانة ” عن دار روافد عام 2021.

 استخدم الكاتب أحمد ثروت في أغلب قصص المجموعة الراوي العليم ثم يتحول في نفس القصة إلى راوٍ مشارك في الحدث أوالعكس . وظّف هذا الإنتقال الرشيق في قصص : صباح –قهوة مانو – جنون المدن – سقوط حر-  الحكايات الستة عن “ريحانة “.بينما استخدم الكاتب الراوي / البطل من بداية النص لآخره   في قصص:   ليلة حجز – الصعود إلى الأمام  – الحيوان – نوستالجيا الزبادي . يوظف الراوي المراقب في قصتي : زحام – التروسيكل.  بينما استخدم الراوي المتعدد في قصة ” الطريق” .

 في قصة “صباح ”  يستعمل الكاتب الرواي العليم أولا ثم الراوي المشارك في الحدث .  قصة ” صباح ” عنوانها مخادع لأن نهاية القصة نهاية حزينة . البطلة بائعة في محل ملابس  تعيش في جحيم من العراك  المستمر بين الأب والأخوة بينما تختبيء هي أسفل السرير خائفة من ضربة تسبب لها عاهة . تعرضت لمحاولات تحرش كثيرة ممن يجمعهم بها صلة دم وقرابة ، لكنها لم تفقد الأمل في النجاة ” “لم يظهر الطريق أمامي ظلاما . بل كان دليلا لإيضاح نقاط بيضاء ضئيلة متناثرة في حياتي ” في يوم تقدم لها عميل  لخِطبتها فامتلأت نشوة وحبا للحياة لأول مرة في حياتها . لكن تنقلب الفرحة الشديدة لنهاية مأساوية فالأب يمسك ساطورا ليقتل أحد أبنائه تتدخل هي لتوقفه؛ فيذبحها .في مشهد مرير يصوره الكاتب ببراعة .   

    في قصة “نوستالجيا الزبادي” يقص البطل/ الرواي  عن أمه الحبيبة وطريقتها في عمل الزبادي بالمنزل على “الوناسة ” ، ثم ينتقل من الطريقة البدائية لصنع الزبادي لعالم الإنترنت والشبكة العنكبوتية حيث  اصطحب أخيه إلى   cyber”” ، لكنه للأسف يساهم مع أصحابه في خديعة أخيه حين يحادث أخيه واحد من أصحابه متقمصا شخصية فتاة ، يخبره بالحقيقة يثور أخوه ويدمر شاشة الكمبيوتر . ينتقل البطل/ الراوي من المعرفة التكنولوجية المتطورة إلى معرفة حقيقة الكون  متسائلا : “لماذا الألم إذن ، ألا تكون للمعرفة لذة بدون ألم ، أتكون عندها المعرفة حيادية ، لا تضيف ولا تنقص ؟لا أصدق ولا أحب التصديق . فالمعرفة وحدها هدف ضخم ، أن تعرف فأنت حينها مالك روحك الأصلي ، تزيح بها سلاسل وقضبانا من الظلام ، أو من الأضواء الملونة المقبضة لأنفاسك ، تبحث تحلم ، ترجو  وتتمنى أن تعرف ، ولا تكبر نقطة الأمل داخلك ولا تصغر ، لا تختفي ولا يزيد حجمها إلا لترجع حالا كما بدأت “.

 هكذا ينتقل الكاتب من المعرفة  البدائية وصولا بالشبكة العنكبوتية . والسؤال الوجودي من  زمن سيدنا آدم هل ارتبطت المعرفة بالألم والخطيئة ؟ 

 في قصة “الطريق” يستخدم الكاتب الراوي العليم في البداية ليعبرعن أفكار سائق  سيارة الأجرة العجوز وعشقه للسيارة “البيجو” مصدر رزقه .   ثم يستخدم الراوي المتعدد  يتبادل فيها الحكي من زاوية  السائق ثم ثم من زاوية  الزبون . ؛ فيقدم الكاتب رؤية متعددة؛ ليصور لنا  الصراع الفكري والحياتي بين السائق والراكب الشاب  ، فالشاب يمثل حب الحياة والإقدام عليها ، بينما يعبر السائق العجوز عن الروح الانهزامية وخسارات كثيرة مر بها .يروي الزبون الذي يستقل سيارة  الأجرة ليصل لمقابلة شخصية في فرصة عمل يسعى إليها ،  ؛ ليعود الكاتب مرة أخرى يروي فيها السائق  من زاويته بصوت غير مسموع عن  أفكاره ورأيه نحو الشاب . ثم يعود ثانية للشاب ومخاوفه وأفكاره حتى ينهي الكاتب قصته بشكل غرائبي ؛كأنما أدخل السائق زبونه في فجوة زمنية أفقدته الإحساس بالزمن والمكان متلذذا بمعاناته قائلا” أنا أدرى بطريقك يا عسل” .

 في “حادثة اختفاء بديعة الخياطة “يقص الكاتب من خلال  الرواي المراقب عن جو غرائبي يحيط ببديعة الخياطة وزبائنها من الحروب والثورة وزميلتها عايدة . حين تختفي بديعة يحاول أبناء الحارة أن يدفعوا باب دكانها فلا يُفتح لهم. كلما أدخلوا مناشيرهم في الباب يلتئم ما قطع منه ، كما أحضروا أنابيب غاز ولصقوها بالباب ، وأطلقوا رصاصة ؛ فلم ينكسر أيضا! 

في قصة “سقوط حر ”  يوظف الكاتب الراوي العليم ثم ينتقل للراوي المشارك في الحدث ليقص عن مظاهرات بعد سقوط بغداد عام 2003  “كمشهد رهيب مهيب ، لآلاف شواهد القبور ، قد تحركت ببطء جليل، تكاتفت نحو وجهة واحدة . بزعيق مكتوم ، وسراويل ممزقة ، بدون أدنى اهتمام بجروح الرؤوس وغازات كتم لأنفاس . كنشهد توقفت عنده  الساعات لحظة واحدة ، ولم تعد تدق . كانت القاهرة .”

ثم ينهي الكاتب قصته بشكل غرائبي كأن البطل الرواي ينظر لنفسه في لقطة كابوسية مؤلمة .

جاء الراوي الكاميرا أو المراقب   eagle eyeفي قصة” تروسيكل ” تدور أحداثها حول سائق تروسيكل ينقل زبائن بسطاء بشكائرهم وامتعتهم . لكنه يعشق فتاة تعمل في عصارة قصب يصطحبها صباحا ويعود بها مساء . في يوم حدث أمامه أن  فضّ امين شرطة بالمرافق فرش المرأة  إحدى زبائن السائق ؛ فحاول السائق أن يتفاوض معه فصفعه المسئول صفعة قوية . لم يتدخل أحد من البائعين أو الموجودين في الشارع لكن ردة فعل السائق جاءت غير متوقعة بأن رد الصفعة حينها فقط توقف الضجيج . تأتنهاية القصة غير متوقعة فالسائق لم يعد لحبيبته المنتظرة بل وجدت المسئول الضخم  هو من يقود التروسيكل.     

 يقدم الكاتب لقطة إنسانية  شديدة الرهافة لكنها عن كلب  في قصة “الحيوان “.  الكلب يدافع عن صاحبه بضراوة ولا يهاب الموت ، بينما يضحي صاحبه الشاب به . استخدم فيها الرواي المشارك في الحدث ؛ فيقص  أحداثها حول كلب مقيد بسلسلة حديدية  بعمود النور . حكايته أنه انقذ صاحبه  الشاب حين اعتدى مجموعة  أشخاص على الشاب  .  لكن عاد هؤلاء المعتدون يطالبون بالثأر إما من الشاب نفسه أو يسلم لهم الكلب ؛ فاعطاهم الشاب كلبه بدأوا يضربونه بسكين ثم ساطور ثم بقطعة خشبية كلها مسامير. كل هذا والكلب يبحث بعينيه عن صاحبه  الذي أدار وجهه وغادر المكان . حتى رقد الكلب ميتا على الأسفلت .

في “الحكايات الستة عن “ريحانة ” يقص الراوي المشارك في  الحدث تفاصيل عن ريحانة من خلال السرد عن شخصيات التقت بريحانة منهم عبده الفكهاني وعم حسن والموظف والرواي / البطل . الراوي هنا جزئي المعرفة  أو محدود المعرفة يقدم رؤية مصاحبة للأحداث . قد تكون ريحانة من أولياء الله  لها من الكرامات  تغمر بها كل من يطرق بابها ، تلمس بيدها طفلة صغيرة مريضة عجز الاطباء عن علاجها  ؛ فتسترد عافيتها . بيتها كان ملاذا للفقراء والمحرومين . بينما يدور الناس حول بيتها ثلاث مرات حاملين قطع الخبز الجاف. كانت  تقول “ريحانة”  للأطفال المجتمعين حولها “لقد تم اختيارنا نحن تحديدا لنحيا ؛ لننجو طالما استطعنا لذلك سبيلا”. فالقصة عن إنسانة أشبه بقديسة يحبها ويجلها الناس ، ويعتبرون بيتها كأنه قبلة لكل شقي سعيا للراحة والشفاء.

ينتقل القاص أحمد ثروت بنا بين عوالم مختلفة . يقترب من شخصيات مهمشة بمجتمعنا مثل بائع متجول أو سائق تروسكيل أو بائعة في محل – خياطة – مريض عقلي  هائم على وجهه وحيوان غُدر به . جاءت اللغة سلسة رائقة ، والوصف معبرا عن التفاصيل بدقة . دقة غلفها الكاتب بشاعرية انتشر عطرها خاصة في القصة الأخيرة  “الحكايات الستة عن “ريحانة ” .

شاهد أيضاً

اعتذارك لن يعيد الأموات يا سيادة الوزير .. سوسن حمدي .. مصر

لم يكن أحد ممن استقل قطار الموت المتجه إلى سوهاج يعلم أن التذكرة التي كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *