الرئيسية / نقد / مِن الصمت إلى الصياح .. قراءة نقدية لفكرى عمر في رواية موجيتوس لمنير عتيبة

مِن الصمت إلى الصياح .. قراءة نقدية لفكرى عمر في رواية موجيتوس لمنير عتيبة

يقول الروائى النيجيرى “تشينوا أتشيبى”: “حتى تجد الأُسود من يؤرخ لها، سيظل تاريخ الصيد يمجد أفعال الصياد”. تُعد هذه الجملة مدخلًا سحريًا للنص الروائى بشكل عام من حيث كونه تأريخ للمهمشين، أو لشخصيات تاريخية ثانوية استلهمها نص روائى، لتخرج من عتمة السطور وصمتها فى الكتب القديمة إلى كائنات من لحم ودم وأحلام، تصخب فى فضاء الإبداع المضىء بالمفارقات، والصراعات، والرؤى.

وإذا كان الحديث عن رواية زمنها هو الماضى التاريخى، ومكانها هى المدن التى خَلَّفت، بالكاد، عددًا من بقايا الأسوار والآثار بعد اندثارها، فإنه يلزم أولُا الحديث عن بعض النقاط النظرية التى تخص استلهام التاريخ فى الرواية، وعلاقة فضاءات السرد باللغة والأحداث..

1- الرواية التاريخية هى عمل سردى يهدف إلى إعادة صياغة الحدث، أو الشخصية التاريخية من منظور الكاتب بالاعتماد على الخيال الفنى.

2- تستلهم الروايات التاريخ لعدة أهداف فكرية، ووظائف جمالية يمكن حصر بعضها فى النقاط التالية:

– التغنى بأمجاد الماضى فى مقابل هزائم الحاضر.

– إعادة صياغة التاريخ وملء مساحات المسكوت عنه بواسطة الخيال الفنى لفهم الوعى الإنسانى وتطوره.

– أحيانًا يكون اللجوء للتاريخ لاستخدامه كقناع يتخفى الروائى وراء رموزه، وأحداثه الدالة، فيُحوِّلها من الإطار التاريخى والفنى إلى الإطار الرمزى والإيحائى؛ للإسقاط على الواقع الآنى.. يحدث ذلك حين يحاصر الواقع السياسى حرية الفكر والتعبير عن الواقع بشكل مباشر.

وثمة نقاط أخرى يمكن الحديث فيها عن التناص مع الحدث التاريخى، أو اللغة التراثية لإبراز جذور الحاضر من ناحية، وتصوير العصر التاريخى بما يُقصِّر المسافة بين زمن الحكى وزمن القراءة.

3- بين التاريخ والرواية علاقة متداخلة ومطردة، فهما نسيج سردى مادته الإنسان، وغايته أيضًا دراسة وفهم تطور الوعى الإنسانى عبر الأحداث والزمن، سوى أن كلًا منهما يختلف عن الآخر فى أسلوبه ومنهجه.

*****

ثمة استلهام للتاريخ فى رواية (موجيتوس) للروائى “منير عتيبة”، فهى تعتمد على حدث تاريخى لم يُدوِّن عنه التاريخ سوى إشارة ألا وهو خروج مجموعة من المسلمين المغامرين من مدن الأندلس لغزو أجزاء جديدة من أوربا على غرار ما فعله المؤسسون الأوائل فى إسبانيا. قرر عشرون مسلمًا المضى فى سفينة لغزو صقلية، لكن رياح السماء العاصفة، وأمواج البحر العاتية أخذتهما من سفينة “أمير البحار يوسف” إلى جنوب فرنسا، إلى حصن فراكنسستوم.. بعد حين ستقع فى أيديهم عدة قلاع وقرى وإقطاعات أخرى، فيفرضوا سيطرتها عليهم.. كل ما عليها من أرض وزرع وناس بما كان يُعرف قديمًا لدى كل الغزاة بحق الفتح.

فى الاستهلال الروائى نرى “مجاهد / موجيتوس” فنعرف أنه كان مسلمًا تحول إلى المسيحية نتيجة حبه لماريا التى تعيش معه إلى الآن فى وئام بعد أن عبرا معًا سن المئة عام. لن ندرك الحقيقة كاملة سوى فى نهاية الرواية، وهذه إحدى استراتيجيات الروائى الذى يؤجل الكشف دائمًا عن مصائر الشخصيات والمعارك إلى فصول متقدمة، فلا يكون غاية الكشف هنا هو الإفصاح عن المصائر فقط، بل لاستبطان مشاعر وأحلام أبطال الرواية، ووصف التجربة كلها من الداخل والخارج.

يشتاق “موجيتوس” فى هذا العمر إلى مسقط رأسه، قرطبة، فيخرج من أسفل صندوق ملابسه حقيبة من الجلد القرطبى بها أوراقه التى دَوَّن بها القصة كلها.. يستعيد تاريخه الشخصى، وحنينه عبر القراءة.

تعتمد الرواية تقنية سردية تجريبية فى ضمير الحكى، فتصنع تداخلًا بين ما دونه الراوى الأول “موجيتوس” عن الشخصيات الأخرى بضمير الغائب وبين أصواتهم الذاتية. ما أن تبدأ الرواية حتى تنطلق أصوات الشخصيات تبوح بما فى نفسها، تقدم لنا خريطة تحركاتها وصراعاتها. هذ التداخل الصوتى له دلالة: يتخلص “موجيتوس” هنا من اتهام الآخرين له بالانحياز، والحكم الأحادى على الأحداث والشخصيات بسماحه لهم سرد قصصهم وتبرير أفعالهم بما يُقربها من رواية الأصوات – البوليفونية، ومع تدخله أحيانًا للتفسير، واستباق النهاية، أو للإضافة عبر جمل وفقرات موضوعة بين قوسين بخط مائل، ففى صفحة 88 نقرأ: “مجاهد يا أخى الصغير! (هكذا كان ينادينى خلف الصقلبى، وكان بعضهم أيضًا ينادينى بأخى، لكنه هو كان يعنيها حقًا، كانت بالنسبة له ارتباطا يفتقده كما يفتقد أى ارتباط بأى شىء، هكذا فكر موجيتوس) كانت قصتك صغيرة وألمها يمكن احتماله ومع الزمن يُنسى، فما الذى ألقى بك وسط قصصنا المربكة”.

كانت قصة مجاهد المؤلمة هى صراعه مع أبيها حول الجارية “عجب” التى أحبها كلًا منهما.

أعطت هذه التقنية أيضًا للكاتب حرية سرد أكثر المصائر عجائبية دون أن تفقد كثيرًا رابطها بالخط التاريخى، باعتبار أن “موجيتوس” هو شاهد ثان على الحادثة، لا راويها فقط مثل مصير “عيسى بن أحمد” الذى التهمته حشرة كبيرة كان يحس بها طوال الوقت تعيش فى بطنه، فحلت محله على حديد النافذة فى صفحة 152: (كان باب حجرته مفتوحا، لكننى لم أجده هناك، رأيت بقايا نور على حديد النافذة، ورأيت حشرة كبيرة ميتة ذات رائحة كريهة قاتلة، لم ير أحد غيرى هذه الحشرة، ولم أفكر بها بعد ذلك أبدًا، فقط كنت أتذكر النور الملون على نافذة عيسى بن أحمد فى لحظات الضيق فتشعر روحى باقتراب الفرج، لم يجزم أحد أنه رآه يغادر الحصن..)، وكذلك هروبه من سجن الرومان بامتطاء قوس قزح برفقة “عبد الرحمن بن سالم”.

تطلق الرواية أسماء شخصياتها على الفصول مثلما يمنحهم الراوى أصواتًا يعبرون بها عن أنفسهم وتوقهم إلى الانتصار والاكتمال المستحيل بالحبيب. هذه العناوين الفرعية هى: “كريستينا / ماريا – عبد الرحمن بن سالم – عيسى بن أحمد – عبد الله البلوطى – سعيد الإشبيلى – موسى بن الحكم – حسان الغافقى – أمير البحار يوسف – هشام بن عبد المعين – إبراهيم بن عامر – الطماشكة الزناتى – وأخيرًا مجاهد / موجيتوس”

من اللافت للنظر أن هناك حالة تحوُّل تؤطر الرواية نفسها بالإشارة أولًا إلى أن موجيتوس كان مجاهدًا وأن ماريا كانت كريستينا.

لكن تَخيُّل هذا التداخل الصوتى بين الراوى وبين الشخوص الروائية سبب إرباكًا فى بعض مناطق الرواية، فهى فى رأيي رواية الانتباه.. إن سرحت، أو غفلت لحظة أثناء القراءة تُهتَ.

من خلال فصول الرواية سنعرف قصة اشتياق “عبد الرحمن بن سالم” لزوجته “صبح”، واشتياقها له، ولأن اللقاء بينهما مستحيلًا بعد أن صار بينهما بحار، وقلاع، ومعارك فقد لجأ كل واحد منهما إلى معالجة ألم الاشتياق بطريقته: “عبد الرحمن” أخذ يطفئ نار رغبته فى أجساد الجوارى، ولم تنطفئ أبدًا ولا استعاض فى واحدة منهن عن رائحة العنب التى كان يشمها فى “صبح”. أما هى فغرست شجرة ورد تقطف واحدة منها كلما تجسد فى خيالها.

سنطالع فظائع عصر الإقطاع الأوربى الذى قتل وانتهك حيوات الناس، وأمنهم لأتفه الأسباب. فى الناحية الأخرى ترسم الرواية شخصيات المسلمين وتضعهم داخل الأحداث ليتصرفوا كبشر لهم أحلام ومطامع دنيوية مبتعدة بذلك عن الصورة النمطية التى تُرسم للغزاة الأوائل.

يُشكل الصراع أكبر ركائز الرواية. يظهر فى أكثر من مستوى، وإن كانت خلافات الإثنيات العرقية بازغة لا تخطئ العين تمييزها رغم الحديث عن أفراد مسلمين يؤمنون بأنه لا فرق بين عربى وأعجمى إلا بالتقوى، لكن الواقع أثبت أشياء تخالف ذلك الإيمان، منها ما نراه من تنافس قبائلى فى التاريخ، وصراع عرقى فى الرواية بين عرب وإسبان وبربر ومختلطين وما يفكر فيه كل منهم من أحقيته بالرياسة والسيطرة. إننا إذًا أمام صراع سياسى ذى خلفية دينية وليس العكس.

تتعدد أيضًا أنماط الصراع فى الرواية فمنها ما هو داخلى عبر الأسئلة التى يواجه بها “مجاهد / موجيتوس” نفسه بعد هذه الرحلة، ويسألها الأبطال لأنفسهم فى لحظات الضيق، أو التأمل.. أو إنسانى وعاطفى بين كل شخصية فى الرواية ومن تحبها وما يولده ذلك من توتر وتوق إلى المستحيل، أو فى صورة حرب بين مجموعة من عشرين فردًا يريدون غزو أوربا وبين ملاك هذه الإقطاعيات وحكام المدن وتخوف السكان منهم.

وتتداخل مساحات هذا الصراع لتدلل على أن الإنسان كُلٌّ متداخل يصعب الفصل بين أفكاره وأفعاله من ناحية، وبين التاريخ وصُنَّاعه من ناحية أخرى.

والرواية بهذا المعنى تجعل من تناقضات الإنسان وأحلامه المستحيلة جوهرًا للتاريخ، وتحتفى بالصورة الأقرب إلى واقع الإنسان وطبيعته، وليس بالصورة المثالية التى ينبغى عليه أن يكونها.

………………….

 

شاهد أيضاً

“الأميرة والرجل من العامة” .. لمحمد إبراهيم طه .. قراءة أسلوبية .. د . فاطمة الصعيدي

… الدكتورة / فاطمة الصعيدي .. تكتب لمجلة شعلة الإبداع .. قراءة في المجموعة القصصية “الأميرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *