الرئيسية / القصة القصيرة / ما بين حياة وموت .. سوسن حمدي .. مصر

ما بين حياة وموت .. سوسن حمدي .. مصر

احتجزتنى الممرضة فى حجرة ملحقة بحجرة الأشعة …

لا تبدو حجرة فى الواقع ، وإنما ثلاثة جدران وستارة مهترئة . وعدد من جلابيب الأشعة البيضاء، نصحتنى بخلع كل شئ معدنى وإن كنت أرتدى قرطا صينيا فمن الأفضل خلعه وخرجت جاذبة خلفها الستار لتترك لى فرصة تغيير ملابسى .

جلست على المقعد الوحيد فى الحجرة بعد أن أبدلت ثيابى ، أحسست وأنا أرتدى الجلباب الأبيض كأنه كفن انتقلت به من الدنيا إلى الأخرة ! وبعد قليل سأقبر ويبدأ حسابى .

أرعبنى التفكير فى الأمر حتى انتصب شعر رأسى القصير ، وسرت فى جسدى برودة لا أفهم معناها !!

قمت من فورى وأزحت الستارة التى تفصلنى عن عالم الأحياء وسرت خارج الحجرة وإذا بأجولة من البصل محملة على عربة صغيرة يجرها على مهل عامل المستشفى يعبر بها الرواق الى الجانب الأخر من المستشفى الحكومى ..

وبجواره يمر سرير به انسان يعانى حتى يفقد الحياة دون مزيد من الألم ..!! تسوقه أخته أو زوجته أو ربما عاملة المستشفى أيضا دون تفرقة بينه وبين البصل ..!!

الحركة لا تهدأ بالخارج والكل يهرول بأوراقه الخاصة بالعلاج أو العمليات اللازمة له أوربما مثلى لعمل أشعة بالرنين تحسبا لنهاية وقت العمل فى الثانية ظهرا ومن قبلها بساعة يبدأ الموظفون فى الرحيل ، وعليك بالتواجد قبلها أو المرور فى الغد لتبدأ من جديد …!!؟

دوامة عايشتها حتى وصلت بأوراقى إلى تلك الحجرة الباردة لأرتدى الأبيض .

لا أدرى كيف تمر أجولة البصل بين بقايا البشر هناك ..!! ثمة تشابه يخيل الى بين البصل وتلك الجثث الممدة من فرط المعاناة !!

لا أدرى كيف يسير الأمر داخل حجرة الأشعة ، حدثتنى الطبيبة بالخارج عن تاريخى المرضى وسبب عمل الأشعة ونصحتنى بهدوء الأعصاب تحسبا لتجربة تلك الأشعة …

سأقبر اذن ، هل قمت بلم الغسيل من على الأحبال وإعداد طعام للأطفال قبل مجيئ هنا ..؟!

سأموت وحدى فليس معى أحد يهتم لأمرى!!

نفضت الفراش قبل مجيئ ورحلت باكرا كى ألحق موعدى فى المستشفى الكبير الذى يقصده المئات كل يوم .. ولم أدع أحدا للمجئ معى ..

ظننت الأمر سهلا وليس به أكفان و مقابر !!

أسمع اسمى يأتى من عالم الاحياء .. ينادينى صاحب المعطف الأبيض بالخارج ، لا أهتم إن كان الطبيب أم الممرض أم العامل الذى يقوم بسحب أجولة البصل .. يسوقنى بجلبابى الأبيض ويفردنى بكفن الموتى على سرير الأشعة ..!!

أتمدد بداخله ، بالكاد يكفينى ، اضطررت إلى شد الترهلات المنسدلة على جانبى السرير أحاول لملمتها بعيدا عن أعينه ، وحين وضعت أجزائى بجانبى وتأكد من إحكام السرير على قام بتغطيتى بقماشة بيضاء ووضع على أذنى سماعات تشبه سماعات ولدى التى يضعها أثناء جلوسه إلى جهاز الكمبيوتر ليستمع الى الموسيقى والأغانى وحده !.. لم يطاوعنى لسانى على سؤاله عن ضرورة هذه السماعات وإن كنت سأستمع الى شئ بالداخل أم لا ..؟!

تنفس نفسا عميقا سمعت صداه فى صدرى ثم ضغط الزر أمامه ليسحبنى الجهاز للداخل وأبدأ مرحلة السؤال ..:

– هل اسمك ( …) ..؟

– …

– هل اسمك ( ….) ؟؟

يطنّ السؤال برأسى وصوت شخص قادم من بعيد ، ألن تكون الأسئلة من قبل الملائكة كما تعلمنا صغارا ..؟!

أحرك اصبعى علامة الموافقة ، لا يفهمنى الرجل ، استنطق لسانى الذى بدأ الدود فى أكله ليفاجئنى بتحركه ونطق اسمى بشكل صحيح !!؟

أغلق الباب بعدها ورأيت أمام عينى سقف التابوت الأبيض وبه مسمارين مثبتين ناحيتى اليمين واليسار .

قال لى صاحب المعطف الأبيض أنه يحب على عدم الحركة .. وهل للأموات أى حركة ..!؟

أتنفس بصعوبة ، يخرج زفيرى مكتوما فيرتد إلى بعد ملامسته للمسمارين فى الأعلى ..

ماذا يرى الرجل صاحب المعطف الأبيض فى الشاشة أمامه هناك ..؟1

هل يرى عظامى التى بليت ونخرها السوس ..؟! هل يكشف له الجهاز أين مكان الألم فى ظهرى الذى أتعبتنى كل ذرة فيه ..!!

قلبى المخزن فى أكياس الثلاجة بجوار أوراق العنب لا يريد أن يفيق ، أعبث به ، أكسبه مزيدا من الصدمات كى يقف بجانبى الان ..الان وفقط .. لكنه أبدا لا يفيق !!

توتى ى ى ى ى ى ى ى ، توتى ى ى ى ى ى ى ى

هكذا بدأ الطنين فى رأسى .. أيكون هذا الجهاز يصفر عند وجود الهدف ؟! هل هذا صوت عظامى التى تسحق بهدوء أم نفير يوم القيامة !

كل الذى عشته من قبل محض هباء !! كل انشغالاتى وأنّاتى وهنّاتى وزلاتى تبتعد عنى الان ولا يبقى أمامى سوى قبرى الأبيض الثلجى وأنا بداخله لا أتعفن ولا أزدهر ..!!

يمر العمر أقصر من أقصر ثانية ..!!

ألمح الزوج والاولاد والأهل والأحباب فيما يقرب الفيمتو ثانية وتبقى أخطائى تترصدنى ، تتعقبنى ، تلح على ذاكرتى من جديد لتبعث فيها مزيدا من الألم والحسرة ..!!

توتى ى ى ى ى ى ى ، تو تى ى ى ى ى ى ى ى

عاد نفير القيامة يطّنّ برأسى مجددا .. ماذا أفعل كى أكتم هذا الصوت المنبعث من قبرى الأبيض .؟

سأموت إن لم يخرجنى أحدهم من هنا ..

سيسيل من جسدى أكياس الملح التى كنت أرتق بها شقوق الوجع ، سيدنو الأبيض والأحمر من الورود التى كان الاصدقاء يرسلون لى بها بكلماتهم عبر الفضاء الألكترونى حين كنت أكتب لهم أنى أشعر بالألم ..!!

كيف أدنو من قبرى هكذا دون كلمة وداع من احد ..؟! هل رحل الجميع ولم يبق سوى صاحب المعطف الأبيض فقط ..؟!

دقائق تمر كالدهور ، لا أتحرك ، لا أمد يدى للهاتف أو لموقد الأشعال ، لا أعبث بشعر صغيرتى التى رحلت عنها مبكرا كيلا تستيقظ وتؤخرنى بضع دقائق !!

صدرى الذى يعلو ويهبط وصوت النفير فى أذنى يخبرانى فقط أنى مازلت فى الاحتضار ..

يسكت الجهاز أخيرا ..ويفتح باب الغرفة ليدخل صاحب المعطف الأبيض من جديد ..

يدعو لى بالشفاء مطالبا إياى بتبديل ملابسى ..

عدت لعالمى من جديد اكتسبت فرصة العيش لمحو أخطائى العديدة وتصحيحها ..

بينما أعبر الرواق خارجة .. ألمحنى هناك بجانب أجولة البصل .. أتقطع بالسكين الباردة  بينما يقوم صاحب المعطف الأبيض بسكب المزيد من السائل الأحمر فوقى لألتهب !!

…………………………………..

شاهد أيضاً

الخروج إلى الشرفة .. حنان عزيز .. مصر

… ثوان معدودة وتحلق بعيدا كما تتمنى دوما، حين ينفتح باب الشرفة على آخره، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *