الرئيسية / رؤى نقدية / قصائد تسعى بين الميدان والحلم قراءة في ديوان ” زرع الكلام” للشاعر/ أشرف عزمي بقلم /محمود الحلواني

قصائد تسعى بين الميدان والحلم قراءة في ديوان ” زرع الكلام” للشاعر/ أشرف عزمي بقلم /محمود الحلواني

تنتظم ديوان “زرع الكلام” للشاعر أشرف عزمي- الصادر عن لجنة النشر باتحاد كتاب مصر،”شعلة الإبداع للطباعة والنشر” – مجموعة من الهواجس والانشغالات التي تشكل في مجملها عصب التجربة الشعرية التي  يطرحها، لعل أول هذه الهواجس التي لا تكاد تغيب عن بؤرة شعور الذات الشاعرة حتى تحضر، هو هاجس الاختناق، فالفضاء دائما يضيق بالمتربصين والأعداء، أولئك الذين يسدون الأفق ويحاصرون الروح فلا تستطيع رؤية العالم إلا من خلالهم، بما يفقدها الشعور بالحرية، ويشعرها بالعجز، ويوقعها في الحيرة والقلق. نستطيع أن نرصد ذلك بدءا من الإهداء؛ حيث يقول الشاعر فيه:

“إليهم/ هؤلاء القابعون على حدود الروح، يترقبون وينتظرون

يشغلهم دائما نجاحاتك وانكساراتك أكثر من تدبر حياتهم”

هؤلاء الرقباء على الرغم مما يشكلونه من ضغوط نفسية على الذات الشاعرة، إلى الحد الذي يدفعها لذكرهم في المقدمة، سنكتشف مع تتابع القصائد أنهم أهون أشكال الأعداء الذين يشغلون فضاء الذات الشاعرة، ويحاصرونها، ويضيقون الخناق عليها، كما سنكتشف أيضا أن تلك الذات، ليست ذاتًا فردية معزولة، إنما هي ذات اجتماعية أيضا، غير منفصلة عما يحدث خارجها، ما يعني تفاقم الشعور بالأزمة، وأن شعور الذات بالاختناق يتعدى كونه مجرد شعور وجودي، أو رومانسي غامض، إلى كونه أزمة مجتمع بأسره، ومأساة وطن .

وبدءا من قصيدة “خريطتي” سنبدأ في التعرف أكثر على شعور الشاعر بانسداد الأفق، كما سنبدأ في التعرف على صور متعددة من الأعداء الذين يحاصرون الذات الشاعرة ، فيحولون حياتها إلى مجرد “حياة ع الريحه” يقول الشاعر في قصيدة تحمل الاسم ذاته: ” “أحس بنفس قيودي وهى بتمسك طرف الحلم/ تروض فىَّ/ نفس الكرباج بيكتف كل أسودي النايمة في قفصى الصدري/ نفس عصاية الساحر ترمينى فى ترس حياة عماله بتطحن فىّ وباطحن فيها/ يمكن أجمع كام فتفوتة/ تكفى  حياه ع الريحه”

و يخاطب الشاعر الحبيبة في قصيدة ” خريطتي” قائلا:

 “سايبانى ليه/ تاكلنى أنياب الأبالسة/ ابعتى طيفك يحنط جتتى/ أو شيلي كل جذورك من قلب روحى الميته/ م الشوق إليكى”

في هذه السطور تبدو قسوة الحياة التي تحياها الذات تحت وطأة ” أنياب الأبالسة ” إلى الحد الذي يدفعها لطلب الانخلاع عن الحبيبة، رغبة في الانفلات من الألم الذي يبدو أنه يعود إلى تلك الصلة الوجودية التي تربطهما معا، وكأنما يدفع الشاعر ثمنا لعشقه الحبيبة، التي سيتبين في الكثير من القصائد أنها الوطن ذاته.

ستتكرر هذه المعادلة بأشكال مختلفة بعد ذلك فنتعرف على مستوى آخر للاختناق، وصور أخرى للأعداء، يقول الشاعر في قصيدة” شدوا الفتيل”: حرام ع اللى جابكم/ كرهت التنفس/ بريحة عفنكم/ فشدوا الفتيل/ لإنى خلاص/ دوري اللى جااااااااى.

ثم يفصّل الشاعر صورة أولئك المُخَاطَبين، فنتعرف من بينهم من يحتلون الشاشات، من كذابين ومدلسين، وتجار سياسة، وسماسرة جراح، يصارعون و يزايدون على دم الشهداء: ” شاشاتنا اللى شاطرة فى سرقة جراحنا/ محلل سياسي يعيد فى المقاسي  بنفس الجمل…” صراعكم .. مزادكم بكام راح هتدفع/ تعوض جريح/ وبكام جاى تفدى/ روح الشهيد”

وتكشف القصيدة، عن تفشي وجود هؤلاء، وتطاولهم، فيما تزيد الجثث والجراح، وتفقد الذات الشاعرة الصحبة والأحباب، ما يجعلها ترى وجودها مجرد مسخ، فيتمنى الشاعر أن ينتهي هو الأخر.

وفي قصيدة ” كلمتي” نتعرف من خلال خطاب الشاعر إليها أنها “متكتفه في بير كله حيرة” وأنها “مالية الحشا بالألم والخوف” وعلى الرغم من أنه يحاول غزلها من سنين كي تكون جناحًا، فإن ذلك لا يمنعه من مواجهتها بالحقيقة المؤلمة، الت يفرضها الواقع الخانق: ” ماتفتكريش إن جوا حدودي كل البراح”.

شعور بالاختناق، يؤدي إلى شعور بالانكسار والعجز حتى عن الكلام، فما بالك بالتحليق: “جوايا انكسار/ مصمصه في شفايف صابها الخرس، والحلم مدمن للكفن
بنمرر الأوجاع يوماتى/ بنفس الجمل والألسنة”

فلم يعد أمام الذات الشاعرة، المتلبسة بالذات الاجتماعية، والمعبرة بها  وعنها، إلا التهكم على ما تبديه من أشكال المقاومة السلبية التي لا تدل على شيء، بقدر تعبيرها عن الشعور العجز:

“تشجب … تدين/ نلزق قناع الوجع فوق الوشوش/ نعمل جروب لنصر الأوليا/ ندعو لحداد ونقيم صلاة”

فيما ترى على الناحية الأخرى: “الدم سايل ع السكك”

و  “صواريخ بتاكل جتت الملايكة/ وجارى حصر الأكفنة)

وتنتشر السخرية المريرة في قصائد أخرى، مجسدة شعور الذات بالعجز ، وقد حولتها المعادلة على الأرض إلى “خيال مآتة” ، يقول الشاعر في قصيدة تحمل الاسم نفسه” خيال مآتة”:

تعالوا ياله واسرقونا ومتخافوش/ هتلاقونا فى انتظاركم/ فارشين لكم

روحنا طريق/ ما احنا خلاص/ خيال مآتة كلنا”

ورغم هذا الإحساس المسيطر، فإن الذات الشاعرة لا تكف عن المحاولة، تعود مجددا لتصارع الشعور بالعجز، وتستنهض الأحلام التي تموت في المهد، يقول الشاعر في قصيدة ” غيتي زرع الكلام”:

  “باغزل من الحلم اللى مخنوق في الضلوع حبة كلام.

مشتاق لزرعه تخضّر الملكوت، تحيى قلوب بتموت تطرح أمل”

هكذا من حين لآخر تنجح الذات الشاعرة في تحدي شعورها بالعجز، وبلورة نبرة تفاؤل أكيدة، يقول الشاعر في القصيدة ذاتها:

اوعاك تنام/ اوعاك تتوه/ اوعاك تقول إن الطريق مليان سدود

فيه ألف ضحكه بتتولد وقت الغروب.

*مرجعية الشاعر والميدان

 في هذه القصيدة، وفي عدد من قصائد الديوان التي سنعرض لها يمكننا أن نشير إلى الشارع، والميدان، بوصفهما المرجعية التي يستقي منها الشاعر موضوعاته، وينطلق منهما للكشف عن هموم الذات الاجتماعية والسياسية، وهو ما نجده في قصيدة  “حلمك الشقيان” التي يهديها لأرواح شهداء ثورة 25 يناير، كما نجده في قصيدة : كاميرا ” المهداة إلى الشهيدة الصحفية ميادة اشرف” شهيدة لقمة العيش” التي خرجت لتغطية أحداث عين شمس فاستشهدت:

” خرجت تصيد حلمها الغايب/ صادها الغَبا”

وكذلك في قصيدة “وطن” حيث تتحول الذات الشاعرة إلى كاميرا تتقلب بين صور و أحوال مكونات أوجاع الوطن: البطون، العقول، الشباب، البنات، أطفال المدارس، الفلاحون، العمال، راصدة ما اعتبرته _ أي الذات الشاعرة –  نزيفا أصاب الوطن  حتى أنه بات يحتاج إلى نقل دم، غير أن دم الوطن – للأسف-  غير متوفر في مكان آخر. ولا تنسى الذات الشاعرة أن تشير – وفقا للمعادلة التي اتبعهتا منذ البداية – إلى الأعداء، الذين تسببوا في كل ذلك النزيف، وقد سمتهم هنا ” الكبار” واعتبرت الأمر برمته ” لعبة كبار” يقول الشاعر:

لعبة كبار/ شاطرين قوي فى لعب القمار/ البنت في ايديهم ولد..!

والآس ولد/ والشايب العايب ولد!/ بيقشوا كل الترابيزات/ حتى المعونه والمدد”

وكما ذكرنا، يتحول الميدان لدى الذات الشاعرة إلى بؤرة مراقبة وتعرُّف، تنطلق منها للكشف عن قوانين الواقع الاجتماعي والسياسي، كما في قصيدة “ميدان الماريونيت” التي تكشف فيها الذات أن الميدان قد كف عن أن يكون ميدانا واحدا، وتحول إلى   ميادين كثيرة، متفرقة، ومتناقضة، فتكشف عن أن “الميدان له ألف باب/ فيه ألف وش” فهناك من: ” يتبادلوا نوبات الحراسة، ويتلوا أوراد الحياه، وينزفوا حبات الكرامة، وهما بين إيد ربنا” بينما “الريح ملانه خراطيش قنابل”.. وهناك” “عصبجيه وأرزقية وبلطجية” وهناك ” شباب على كفوف الملايكة/ ساكنين السما” .. وهناك ” ملايين بتصرخ صرخة العدل الجبان/ ناب الإهانه والألم مزق سكاتهم”.. وهناك” الوحوش اللى يغمسوا بدم الشقىَ/ ويحلوا ببراءة الشباب اللى اتقتل حلمه الصغير بالحياة”.. هناك ” مليون بيان، وميت ائتلاف” الأمر الذي لا تجد الذات الشاعرة معه إلا أن تمنح ” الشعب” : “صرخة وشهادة حق/ إنك يا شعبي محتاج نوبل/ ونيشان لأيوب النبي” ذلك نظير ما يتحمله ويصبر عليه من محن و” وحوش سياسة يقسموا لحمه اللى مات”!

يمكن القول إن هاجس التقصي والسعي نحو جرد محتويات الصورة الاجتماعية   يكاد يشكل ظاهرة أسلوبية في الديوان؛ حيث لا يكتفي الشاعر برصد وجه واحد من الصورة، فيقوم بتقصي ما يمكن أن يشكل وجوها و احتمالات أخرى، نرى ذلك أيضا  في قصيدة “نعجن فى أرواحنا الصبر” حيث يرصد الشاعر مجموعة من العيون التي تشكل المشهد؛ فهناك: “عين خدَّاعة”، وهناك “عين حزنانه” وهناك” العين الصافية”

* كذلك من الهواجس كثيرة التردد، والتي يمكن تتبعها في الديوان، ما يمكن أن نسميه بهاجس الانقسام أو الازدواج، حيث ترصد الذات الشاعر لنفسها أكثر من وجه: ظاهر وباطن، ميت وحي، حقيقة وقناع. لاشك أن الفضاء المغلق الذي يحيط بالذات الشاعرة، والأحلام التي تموت، والشعور بالعجز هو ما أسهم في ترسيخ الشعور بالانقسام والتفتت و توزعه الذات على مستويات مجهولة وغير مرئية من التعين، يقول الشاعر في قصيدة ” بلاقيك إنسان” :

“بتفتش جواك/ بتطلع من جوه ضلوعك واحد غيرك/ واحد مش شكلك

وما يشبهش الوش الشارب من أحزان الكون/ واحد هَيْعَيْشْ روحه على تصاويرك المدفونة/ جوه قبورك ويدفيك/ وساعتها تشم فى نبض حياة، فتفووووووق، وتهاجر موتك”.

 وفي مقابل نبض الحياة المناقض للموت هنا، نجد العكس في قصيدة

“مش لاقينى” فبينما يؤكد الخطاب على حضور الحياة فإنه يصل في نهايته إلى الضياع والغياب: ” علمونى الحَبوْ ليكى/ وأما شالتنى الحياة/ طرت بجناح المحبة

بس وأنا طاير وجايلك/ ليه يا عمرى هربتى منى/ وادَّاريتى جوه روحى

رحت أدور/ ع اللى باقى/ من حياتى، ماعرفش ليه ؟ مش لاقينى!!”

هذا الملمح الذي تشير إليه أيضا قصيدة ” مفصول عن ذاته” ذات العنوان الكاشف، التي يشير الشاعر فيها – بشكل مباشر- إلى أن هذا الانقسام، أو الهوة التي تفصل بين الإنسان و ذاته، نتيجة لتدبير جهنمي يصنعه أعداء الذات:

والواد العكروت/ معجون مهروس/ مسحول مصلوب/ بيمارسوا معاه

كل التقاليع/ علشان فى الآخر يفضل/ مفصول عن ذاته”

* استراحة المحارب والملمح الرومانسي:

في هذا الفضاء الخانق، تبقى وحدها الحبيبة البعيدة، أو المختطفة، هي الملاذ الذي يبحث عنه الشاعر الذي بلا مأوى، فلا يجدها إلا في الحلم، أو في الذكرى.

هنا يتجلى الجانب الرومانسي الذي يشكل محطة بارزة من المحطات التي يمر عليها الشاعر عبر قصائد الديوان، ملتمسًا الراحة والدفء والحب، هو الحزين، الحائر، القلق، وهو الملمح الذي نجده في عدد كبير من قصائد الديوان منها” شيليني من قلقي” و “اللى داير بالحياة” و ” تابلوه” و “تلمس روحي عصايته” التي نقرأ فيها:

“فتشوفها عيوني النايمة جوه الحلم/ اللي أنا مش عارف ليه بفتح له لما يدق ليلاتي الباب/ ويسهرني فى بحر عيونها/ وبلاقى الشوق راكب رمشك تلمس روحى عصايته/ فالاقينى بعشق نومى، وييجى الفجر البِكر يلم خيوط الليل، وأشرب من زقزقة العصافير، كاس بتفوق روحى”

في هذه القصيدة كما في غيرها من قصائد هذه المجموعة” الرومانسية” نلاحظ أن الشاعر لا يحيا بشكل يخلو من المرارة سوى في الحلم، أو في الذكرى، وحدهما هما الأرض المنزوعة السلاح، التي تهدأ عليها روحه، حتى أنه يعشق النوم، مستودع الحلم، كما نلاحظ أيضا في هذه القصائد اختلاف معجم الشاعر عن معجمه في تلك القصائد التي يمكن أن نطلق عليها قصائد الشارع والميدان، حيث تستدعي الرومانسية مفرداتها – بالضرورة .

للنظر أيضا إلى ذلك المعجم الرومانسي في قصيدة ” شيلينى من قلقى” حيث يقول:

 “خلايا النور بتتجمع فى عود ياسمين / وتاخد قلبى وتروح لك/ وبتبوحلك/ وتحكى فى سر مداري/ ورا الأحزان/ وأقول يمكن هتصفى لى، تراعينى/ دا أنا طرحك/ سبينى أشرب حليب روحك/ وألضم ريشة فى جناحى/ وأكسَّر كل قضبانى”

آخر الملامح التي يمكن أن نشير إليها في الديوان، هو ما تجسده قصيدة ” من روحي” التي تضم مجموعة من المقاطع النثرية، التي تعتمد السردية، والمشهدية بدلا من الإيقاع، كما تعتمد على “الاستعارة الكلية”، حيث يستعير الشاعر مواقف و شخصيات رمزية، ليكشف من خلالها عن أشياء تخصه تماما،  كالشحاذة، والشاب الذي يفرغ إحباطاته في التدخين، لأنه بلا عمل، ينتظر دوره في الحياة، فيفاجأ  بمرور الزمن وحضور الموت.

شاهد أيضاً

رائحة المطر والطين في مجموعة ” قهوة بوتيرو ” للكاتب حسام المقدم .. بقلم شيماء عزت .. مصر

… حسام المقدم قاص صدر له رواية ومجموعتين قصصتين  كما نال العديد من الجوائز أهمهم  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *