الرئيسية / نقد / قراءة فى ديوان ( حانة و مانة ) للشاعرة المغربية ابتسام حسني .. بقلم د. حسام عقل

قراءة فى ديوان ( حانة و مانة ) للشاعرة المغربية ابتسام حسني .. بقلم د. حسام عقل

15870725_1046149388830410_1474133261_n 15841674_1046149852163697_792769178_n

هذا الديوان الجديد , ذي العنوان الطريف : ( حانة و مانة ) , تثبت الشاعرة المقتحمة ( ابتسام حسني ) ، حزمة راسخة من الحقائق الجمالية , التي تتصل ب ( الثوابت ) المصاحبة لتجربتها الشعرية منذ انقداح الشرارات الأولى ، بمثل ما تثبت جملة من ( التحولات ) التي تمس تجربتها المتوثبة ، في بنيتها و أهدافها و توجهاتها الاستراتيجية الكبرى التي تحكم مسارات القصيدة و تشتبك بعوالمها  . و بين استصحاب الثوابت و طروء التحولات ، ترقص القصيدة في المساحات البكر ، و ترسخ رسالتها المستهدفة _ بمضاء _ و تفرض حضورها المستقل ذا الفرادة و الخصوصية في مستويات البنية اللسانية للتجربة ، معجما ً و اشتقاقاً و تشكيلا ً إيقاعيا ً و نسقا ً تركيبيا ً .

 و مع هذه الرحلة الشعرية الباذخة في مرحلتها الأحدث _ و لا نقول مرحلتها الأخيرة _ تتأكد ، بالتوازي ، جملة من الحقائق الفنية و الاجتماعية و اللغوية ، التي تلازم النظرية النقدية المعاصرة . فقد وطدت التجربة الشعرية الماثلة ، هذه الحقائق بدرجة لافتة من القوة و النصوع ، و في صدارة الحقائق المنوه بها ، ما أكده الباحثون في ( نظرية تحليل الخطاب ) _ و خصوصا ًُ ( ماريان يورجنسن ) و ( لويز فيليبس ) _ من أن الخطاب الإبداعي المعاصر ، لا سيما الخطاب الشعري ، لا يستهدف فحسب التجسيد المرآوي المباشر لأزمات الإنسان الحديث و عوالمه المحتقنة بالمحنة ، الطافحة بالتعاسة ، و إنما يستهدف مثل هذا الخطاب الشعري الطليعي الفذ ، إعادة الخلق و التصور و الصياغة ، بعوالم موازية تصنعها المغامرة الجمالية _ وحدها _ و تشتبك بها مع العوالم الاجتماعية و السياسية و الجغرافية الحية التي صدرت عنها و استوحت تيماتها من خلال نسيجها الحرفي المتعين ، لتصنع منه نسيجا ً جديدا ً يستجيب لأشواق الحرية و العدالة و الخير و الجمال و التحليق ( اليوتوبي ) المجنح ، الذي لا تحده أسوار ، و لا تسيج انطلاقته الطليقة أية  قيود . ( راجع تفصيلا ً دراسة ( يورجنسن ) و ( فيليبس ) المعنونة : حقل تحليل الخطاب ) / تر : السيد إمام / مجلة فصول / خريف 2016 ص 211 و ما بعدها ) .

 و تواكبا ً مع هذا التأكيد , يسطع تأكيد مواز ٍ مؤداه أن الخطاب الإبداعي الجديد يرسم _ في تشكله و تناميه _ جسرا ً عريضا ً يصل هذا الخطاب الحيوي النشط بفكرة ( الهويات القومية ) _ بولاءاتها و تجلياتها و مساراتها المفترضة الصائنة للروح الوطني/ القومي اللاهب  _   لاحما ً في انعطافة خاطفة بين ( الفردي ) و ( الجماعي ) ، عاقدا ً جديلة الخيط القوي بين ( الخاص ) و ( العام ) , على نحو ما رسخت بوضوح نظريات ( لوكلاو ) و ( التحليل النقدي للخطاب ) و ( علم النفس الخطابي ) . تشتبك مع مغامرة العشق  المخملية في قصيدة ( ابتسام حسني ) ، فتنفتح أمامك نافذة رحيبة على الكلوم العربية  الغائرة المفعمة بالإيجاع ، و ترحل مع تباريح الغرام المجنح و مطارحاته في قصيدها الطازج ،  فتسطع أمامك _ بقوة النيازك الطافرة _ رحلة الشعوب العربية الملحمية في تباريحها الريانة , الطامحة إلى فضاءات الحرية و الانعتاق . العاشقة تضحي شعبا ً بتمامه , و العاشق _ بترحالاته النزقة _ يغدو أمة تترقرق بالحراك الجمعي / النضالي النشط .

 و ترتكن الذات الشاعرة _ في تجربة الديوان _ على ضفيرة واضحة من التقنيات الأسلوبية ، التي ترسخ الرسالة الماثلة و تعيد تشفيرها بمنطقها الخاص . و في صدارة هذه التقنيات المعتمدة ( تقنية التكرار الأسلوبي ) , التي ترجع الأصداء عن عمد و تعيد تشكيل النسق التركيبي _ بقصدية مكشوفة _  بلحون متنوعة على معزوفة واحدة ، تتماهى حيناً أو تتجادل حينا ً آخر بمنطق ( الكونشرتو ) الموسيقي القائم على التباري و التصارع بين تنوعات اللحن الأصلي و التفرعات اللحنية المنبثقة عنه .

 و تتبدى تقنية التكرار الأسلوبي المنوه بها في قصيدة الاستهلال : ( ضاجع من خلف حلمنا ) ، حيث تتكرر _ كضابط المعزوفة _ عبارة ( صناديق الموت ) التي تحمل ( دمنا ) المهراق . و يتوطد هذا الملمح ، في ثنايا صورة شعرية شاملة تتسم بالطزاجة و الإدهاش ؛ إذ تركض ( الحرة ) العربية ، التي ( يتسابق نحوها الذكران ) في توطيد راسخ لدلالة الاستباحة و انثلام الأوطان و تبدد الهيبة و معنى الانكسار المستخذي :

 ( يحفر مجراه دمعا

 بأديم خدنا

 كي ترفع الحرة

 رجليها سفاحا ً

 يتسابق نحوها الذكران

 ميسرة و ميمنة ..)

 و يتلاحظ لنا _ للوهلة الأولى _  ما تشي به عبارة ( ميسرة و ميمنة ) من دلالات الحصار المحكم و تضييق الخناق و نفاد وسائل الإفلات . و يتوازى مع هذا التشكيل التخييلي و السياقي ، استدعاء طوبغرافي ملحوظ للبقاع المكانية الجليلة ذات النفس القداسي , ك ( أرض الخليل الآمنة ) , و مع هذا التصعيد المؤطر_ أسطوريا ً _  بروح الملحمة بسياقيها : الفردي و الجماعي ، يقع تسريب تدريجي لمساحات دالة من ( الفانتازيا ) القائمة _ في الجوهر _ على استدعاء ( المحال )

 و الدوران في فلك أقماره المستعصية ، حيث تحلم الذات المرتحلة ، هنا ، برحلة معراجية جديدة ، تفضي بها نحو ما أسمته : ( سماء الله الثامنة ) ، فيما تؤكد المتون الدينية المعروفة أنهن ( سبع ) سماوات فحسب ! إن قنص ( المحال ) و إحكام القبضة عليه ، هاجس ملازم للقصيدة _ طول الوقت _ و الرغبة المضمرة التي تحملها الذات المرتحلة / المغامرة ، في إدهاش الجموع بمنجز صاعق غير مسبوق ، يغدو بدوره هدفا ً للرحلة يراوح بين الإضمار آنا ً و الإعلان آنا ً آخر . وفي إطار توحش الخصم و استئساده على المدائن العربية المهيضة تقع الانعطافة ، المنوه بها ، من ( الفردي ) إلى ( الجماعي ) :

 ( صناديق الموت

 تحمل الآن شعبنا

 تقوده نحو مثواه الأخير )

 إن استدعاء المدائن العربية و حشدها ، بهذه الكثافة ، هو _ في سياقاته الموظفة بحذق _ جزء عضوي من التدرع بأرصدة التاريخ ، و التحلي بحلاه ، و الاستدعاء الحصيف لخبراته المقطرة ، المتدفقة في عروق الإنسان العربي المعاصر ، و هنا تجوس الذات الشاعرة داخل ( بابل ) ، بكل غموضها و هيبتها ، ، بعد أن جاست بنا _ من قبل _ داخل ( الجليل ) الأنيقة المفعمة بروح المحنة ، و يلف الرحلة ، في المجمل ، نزوعان : أحدهما نحو ( الماضي ) تعلقا ً باعتداده و فتوحه و كبريائه المفترضة في وجه انتكاسات الراهن و انحناءاته الموجعة ، و الآخر نحو ( الحاضر ) تمسكا ً بالنفس النضالي الواجب ، الذي يتعين أن يتسلح بأدوات الحاضر و أسلحته و تقنياته و انشغالاته الضروية . و يصنع النزوعان معا ً ملمح النضال الجديد ، الذي تنطلق به المدائن العربية كعاصفة الخماسين . و في مشهد التذييل الدرامي الفاجع للقصيدة _ و هو مشهد مفعم ببلاغة ( الخواتيم ) كما يقول البلاغيون العرب _ تتوطد في الضمائر دلالات الانتكاس الكبير حيث تقع الإطاحة ب ( صندوقنا ) خارج ( مضارب الحي ) ، و يسطع معنى ( استباحة المكان ) بعد ( استباحة الإنسان ) ، و هو ما يطل معه يقين الاستخذاء المنتكس أمام الخصم :

 ( صناديق الموت

 تحمل الآن نعشنا

 تصلبه من خلاف

 تنفيه خارج مضارب حينا

 غريبا

 منبوذا

 بعيدا ً عن كل الأمكنة )

 و تنتقل بنا قصيدة : ( مسيلمة يسقط عنا صلاتين مهرا ً لسجاح ) ، إلى عتبة مساحة  جديدة ، مدارها فكرة ( خديعة الجماهير ) بنمط جديد من ( مدعي النبوة الكذبة ) ، و تحفل المساحة _ في المجمل _ بسمك رمزي لافت ، إسقاطا ُ على فكرة الميديا العربية / المخادعة الراقصة في المحن الدامية ، و الحارقة للبخور طول الوقت ، و المتنكبة لولاءات الأمة ، و الماسخة لأولوياتها و قضاياها الكبرى ، ف ( مدعو النبوة الكذبة ) لا يكفون _ في فضاء القصيدة _ عن تسريب الأوهام و تشكيل الوعي المدخول و صناعة الأنساق الزائفة لرأي عام ( منبطح ) ، و هو ما يفضي بنا _ في النهاية _ إلى فكرة حمل الجماهير على ( اعتناق الوهم ) :

 ( يستقسمون بأزلامه

 جماهير تهتف بسلخ الشاة

 زغبا ً خفيفا ً من منابته

 تطير رقابا ً بسماء معذبة

 تلتف حوله نسوة المدينة

 يقطعن أيديهن من شدة حسنه )

 و توشك القصيدة أن تكون تنويعا ً  _ أو ( تشعيرا ً ) ! _ لافتا ً على فكرة ( المتلاعبين بالعقول ) ، التي تبناها _ حديثا ً _  المفكر ( هربرت شيلر ) ، و عنون بها أحد كتبه ، حيث يتنوع المتلاعبون بعقول السواد الأعظم  بين الأفراد المرتبطين بعمليات الاحتكار الرأسمالي المتسم بالتوحش  و الجماعات  المؤدلجة و المؤسسات الضخمة  ، و تتضافر آلياتهم المركبة المتخابثة ل( صناعة الوعي الزائف ) و توطين المهاد للحكم الشمولي و تسويق الأوهام الداعمة للأباطرة , المتمسحة بممالكهم . و يتوهج في القصيدة معنى انتهاك المقدس ، و سطوع القشور الصدئة _ بديلا ً عن الجواهر النفيسة _ و تصدر الأقزام لخشبة المسرح ، استلهاما ً لفكرة ( سجاح نبية الزمان ) ، بكل ما تحمله السمة التناصية مع الفكرة و موروثها الديني من روح دميم ، متخابث ، ممعن في التآمر الموتور . و في المشهد القاني ، الذي تتصدره ( سجاح نبية الزمان ) ، نتأكد من غيبة الحريات و تجرع الجميع ترياق الانقياد دون وعي , أو ب ( وعي مغيب ) صنعه المتلاعبون بالعقول ( و هم في مشهد القصيدة  الكذبة الذين اختلسوا صولجان النبوة و استباحوه )  :

 و هو يهتدي لمرقده

 تطوف به الجواري

 تكرس يومها لراحته

 عبيدا ً يتناسلون

بساحة بيعته )

 و يظهرنا التقصي النقدي الدقيق ، على حقيقة نصية مفادها إمعان الذات الشاعرة  _ في جانب كبير من قصائد الديوان _ في اللجوء إلى ( العناوين الممتدة ) ، التي تستطيل ، أمامنا ، دون أن نقف على مردود نصي  محتمل أو فائدة جمالية لافتة ، يحملها هذا الامتداد الطولي في العنونة ، حيث يذهب علم النص الحديث _ في سياق أطروحات ( فان دايك ) بالخصوص _ إلى التأكيد على الدور ( الاختزالي ) لممارسة العنونة بكل ما يحمله الروح الاختزالي من التكثيف و قص الزوائد ، و لم نستطع في واقع الأمر أن نقف في أكثر القصائد ، على سمة ( انحرافية ) _ بالمعنى الدقيق الذي عناه علم الأسلوب _ يمكن أن نجني ثمارها من جراء هذا الامتداد ، على نحو ما نجد _ مثالا ً لا حصرا ً _ في قصيدة : ( من ضلعه أخرج مائلة كي لا أنكسر ) ! و بعيدا ً عن العنوان الممتد للقصيدة ، نأنس في سياقها الموضوعاتي ، نمطا ً من أنماط التضفير الخلاق بين دلالة ( الحرية ) _ ببعديها : الفردي و الجماعي ( العروبي ) _ و بين ضفيرة من الدلالات الرومانتيكية المصاحبة التي مازالت تغرد للعشق ( الفردي ) و تحتفي  بمغامرته ، و تهيب بأشجاره الصاعدة في السماء و إن تصوحت أوراقها ! و تتأسس الدلالة الجذرية للقصيدة على فكرة ( التكاملية التاريخية ) لقسيمي النوع الإنساني ، اتكاء على استيحاء الفكرة الدينية الموروثة ، القاضية ب ( خلق حواء من ضلع آدم ) ، و تؤمن الذات الشاعرة _ حد اليقين _ بأن هذه التكاملية المتوخاة ، لا تتأسس بنبضها الحي إلا في حاضنة العشق المصفى ( البيوريتاني ) ، الذي لا تشوبه أية كدورة :

 ( فوق صدري العاري

 ينبت جسدي

 بقية العمر

 أسراب حمامات

 لا تعرف أن تطير

 إلا بساحاته الخضراء )

 ولئن كانت هذه القصيدة ,، قد أقامت عماد دلالتها أو معماريتها الشاملة  ، في واقع الأمر ، على التناص الشفيف المستدعى من المتون الدينية ، فإن قصيدة : ( حمالة الحطب بحقولنا تنتصب الآن فزاعة ) ، تشق رقعة رحيبة لفيض من الرموز الدينية ، السابحة في الرافد ذاته ، بكثافة أشد و عرامة أقوى ، و في سياق الجهاز الرمزي الكبير ، بآلياته و تمظهراته الماثلة في القصيدة ، يهيمن رمز ( حمالة الحطب ) على شبكة الرموز المستدعاة ، بإيحاءاته القميئة المؤسسة على الشر و التآمر ، و هو الحقل الدلالي الذي فرضته المتون الدينية للعبارة في الضمير الديني بالخصوص ، و هكذا هيمنت ( حمالة الحطب ) _ برمزيتها المناوئة الدميمة _ على الواقع العربي المتشوه ، حيث تتداعى فضاءاته الهشة بكل ما تحمل من القيم و الأنساق و الولاءات الكبرى :

 ( بحقول الحنطة فزاعة

 تمنع الطير من أراضينا

 فتشيع أسرابه

 حمامات مشاعة

 لحمها حلال

 و دمها حلال

 ريشاتها من كل لون

 تثير الفاحشة في واد ٍ غير ذي زرع )

 و تتوطد _ في ضمير المتلقي  _ قدرة الذات الشاعرة على صياغة ( الانتهاءات ) _ بتعبير البلاغيين العرب _ أو التذييل المتمتع ب ( بلاغة الخواتيم ) في نهاية القصيدة ، حيث تعاودنا إطلالة الانتكاس و طلله الباقي الغارق في العزلة و التعاسة  :

 ( في جيدها الآن

 ملك عمدانه آيلة للسقوط

أركانه تتداعى

 يجرفه السيل بعيدا ً

 فرادى و جماعة ! )

 كنا ، في معظم الانتهاءات التي ذيلت القصائد ، بإزاء الخاتمة التي ” لا مطمع وراءها ” _ بتعبير ( يحيى بن حمزة العلوي ) _ أو بإزاء الخواتيم ” الرائقة الملائمة لما قبلها ” وفقا ً لتعبير البلاغي العربي الرائد ذاته ( راجع : يحيى العلوي في ( الطراز ) ج 3 ص 188 و ما بعدها / سلسلة الذخائر / القاهرة 2009 ) ، و قد يكون هذا مراحا ً سائغا ً للدارسين لاحقا ً للتوسع في الإضاءة النقدية ل ( بلاغة الخواتيم ) لدى الشاعرة في مجمل نصوصها الشعرية ، بما يضيق عنه المقام في هذه المساحة .

 و تتكثف  _ تدريجيا ً _ محاولات الترسيخ للجهاز الرمزي ، المدعوم بالمتون الدينية و المنمى بسنادها ، بما يقتضيه  ذلك من التمكين لآلياته الشاملة التي تتماس مع القصيدة من كل أطرافها . و يبرز هذا الملمح الفني المتجذر _ بمضاء _  في قصيدة : ( ما بال راهب الدير يعتنق عشقنا دينا ؟! ) ( مازالت سمة العناوين الممتدة / الطويلة تصاحبنا ! ) حيث يترائى _ بالتقابل التناظري _ رمز ( المدينة ) و مجازها الناصع ، قبالة رمز ( الأنثى ) بحضورها العابق المشحون بالغواية ، و يضم إلى القطبين المتناظرين ، في فعالية الجهاز الرمزي ، أقنوم ثالث يتكامل بهما ؛ أعني ( الحرية ) _ بحسبانها فكرة مجردة _ فتتحرك على سطح القصيدة جدلية الثالوث الأشهر في رمزية القصيدة العربية المعاصرة : ( المدينة / الأنثى / الحرية ) . و تقنع الذات الشاعرة في الحديث عن أنثاها الطافرة بصبوات الحلم ، بهذه الطريقة ( المجهلة ) إذ تسميها : ( مليحة القوم ) ، و يتأكد في سياق القصيدة الكلي ، ملمح المماهاة بين ( المعشوقة ) المنافحة عن عرضها ، و بين ( المدائن المقموعة ) ، في مسعاهما الصاعد المشترك زحفا ً نحو ( الحرية ) :

 ( مليحة القوم

 تنسج من خيالاتها وطنا

 ترسم حجراته

 بيتا يقينا

 ترمم شقوقه تبنا و طينا )

 و توطد الذات الشاعرة معنى أساسيا ً يتغلغل في خلايا التجربة بعامة ، و القصيدة بالخصوص ، بقوة ؛ مؤداه أن نيل الحرية ليس حالة مبذولة يسيرة من حالات ( ترميم الشقوق ) ، و لكنه مسعى ملحمي شامل _ دام ٍ في معظم الأحايين _ إذ الحرية عطية مدفوعة الثمن دونها دماء الشعوب الزاكية ، فإما أن تؤخذ _ بالكلية _ بالانتزاع الجسور ، و إما أن تضيع في رهانات السباق فتفقد _ بالكلية _ مخلفة أشباح مسعى محبط . و مع تسلط الواقع الكافكاوي _ في فضاءات القصيدة _ بتجلياته الجاثمة ، ممثلة في ( بعثرة أوراق الخريف ) و ( غلبة الديون ) و ( استباحة النساء ) و ( ذبح اليتامى ) ، نرتطم بالتذييل الموغل في الإيجاع _ و قد ألفناه في إطار بلاغة الخواتيم _ :

 ( تحت عربات

 خيولها مهما انتظرنا مرورها

 أبدا ً لا تأتينا )

 و تعاود الذات الشاعرة بسط رفيف الرموز ، المستوحاة من المتن الديني ، في قصيدة : ( بنو الزرقاء ألوية حروبهم رايات حمر ) ، حيث تنخذل منكسرة ( حمامة أبي سفيان ) ، تجسيدا ً رمزيا ً دالا ً  لانخذال المسعى و تبدد الهيبة و انحناء الهامة التي كانت مرفوعة يوما ً ، مجللة بمواكب رد الاعتبار و الكرامة . و يلاحظ هنا _ للمرة الأولى _ انفتاح ثقب أمل في استعادة الحمامة المخذولة و نيل كبريائها المستعادة ، من خلال طفل وثاب يشق المشهد مدججا ً ب ( حجر ) :

 ( هي اليوم حرة طليقة

 لا يأكل من معصميها الأسر

 سليلة البيت )

 و إذا كانت الكبرياء القومية قد عبرت عن ذاتها باعتداد  ، من خلال ( طفل الحجر ) ، فإن الكبرياء الفردية ( نوشك أن نقول النسوية ! ) قد عبرت عن ذاتها _ في الإطار الاستعادي نفسه _ في قصيدة : ( شفتاه تلامس عناقيد خلخالي ) ، حيث تطفح المشاهد المستعادة في القصيدة بدلالة النرجسية المتغطرسة ، التي تشمخ في السماء و تتعالى على حصار ( سجاح ) و سدنتها ، أو تقرر في خيارات الكرامة الكبرى أن تتعالى على معشوق أذلها يوما ً و آن لها أن تضع أنفه المتعجرفة عند عنقود خلخالها  في صورة شعرية جمعت  في قرن بين الغرابة و الجدة  !

 و تنتقل الذات الشاعرة بنا في قصيدة العنوان : ( حانة و مانة ) إلى منحى السخرية اللاذعة _ على طريقة وخز الإبر التي برع فيها ( نزار قباني ) بالخصوص _ حيث تحيل إلى واقع الانقياد العربي المازوخي للكيانات الإمبريالية التي تركب قاطرة الاستباحة دون تحسب لمساءلة أو خشية من فواتير محتملة للخسائر ! و تسطع في القصيدة _ بقوة _ صورة شعرية  محبوكة بحصافة ، ترسم بمرار طافح مشهدا ً مخذولا ً ل ( ملك الحيرة ) ، و هو يسلم ( نسوة المدينة ) للغازين ، و كأنه يجدد خذلان ( أبي عبد الله الصغير ) و هو يسلم مفاتيح ( غرناطة ) للجيوش المداهمة  ، و قد مضت أمه في تقريعه بشدة على بكائه الناحب الكسير، في واحد من أكثر مشاهد التاريخ العربي خذلانا ً أو انحناء إن شئت  !

 و تسلمنا الاختيارات الأسلوبية الكاشفة للذات الشاعرة ، إلى مساحة أخرى من السخرية المجلية ، حيث تستدعي في تشكيلها المعجمي نسيجا ً هجينا ً يصل الفصحى بالدارجة المصرية  أو المغربية _ بعصارتها الشعبية الدالة _ كما نأنس ، بوضوح ، في مفردات : ( حانة / مانة / كاني / ماني ) التي تتناثر برشاقة على جسم النص دون أن يتهدل أو يترهل بالزوائد عديمة الغناء ! و قد يكون هذا الخيار الأسلوبي الساعي في تقريب الشقة بين ( الفصحى ) و ( الدارجة ) ، جزءا ً من خيار متصاعد تدريجيا ً في الشعرية العربية الجديدة يسعى _ بمثابرة ملحوظة _ إلى تجسير الفجوة بين نمطي الأداء اللغوي اللذين يتوزعان الخطاب اليومي العربي ، بعد عقود متطاولة من المعارك الحقيقية و المفتعلة !

 و باستقطار الخلاصات المصفاة للتجربة الشعرية الماثلة ، يتأكد لدينا أن الشاعرة تسلم في شهادتها النقية المنغومة بواقع التراب أو الرماد الذي صاحب تدمير المدن العربية العريقة ، مخلفا ً إرثا ً كابوسيا ً من الأحزان ، لكنها _ في الضفة الأخرى _ تسلم ، دون أدنى ارتياب ، بواقع طائر ( الفينيق ) العجيب ، الذي يولد من مجددا ً من رماده !

 …………………..

شاهد أيضاً

الحضور والغياب في مجموعة “باب مروحة” .. لأماني الشرقاوي .. أ.د.فاطمة الصعيدي

…      “باب مروحة” مجموعة قصصية جديدة للقاصة والروائية أماني الشرقاوي، صدرت عن دار المعارف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *