الرئيسية / الرواية / فصل من رواية ” صوت الغراب ” للروائي عادل عصمت الفائز بجائزة نجيب محفوظ للجامعة الأمريكية

فصل من رواية ” صوت الغراب ” للروائي عادل عصمت الفائز بجائزة نجيب محفوظ للجامعة الأمريكية

الرواية ستكون فى معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017

4567e298018e4cb7b1dc890ad27386cd

في الظهيرة أترك “إبراهيم الألفي” في المكتبة وأعود إلى بيت أبي أتناول غدائي، وأعود مسرعًا إلى بيت خالتي الذي راح يتحول ويأخذ سمت حياتي الخالية. صحيح أنني لم أسمح لأحد من أصدقائي بتخطي باب غرفة الجلوس إلَّا من أجل الضرورة، لكن البيت كان يحمل سمات عبثنا وأحاديثنا، يكفي أنه كان يغص برائحة الدخان بعد أن تنقضي السهرة. بدت صورته كبيت عاشت فيه خالتي وسومة تتراجع إلى الأركان. ربما كانت تلك الليالي مملة كما قال “مجدي المغربي”، لكن الإثارة بدأت عندما عثر “إبراهيم الألفي” على نسخة من كتاب صدر حديثًا في سوريا بعنوان “الروض العاطر في نزهة الخاطر”.

كان يومًا فارقًا، اكتشفت فيه متعة القراءة في كتب الجنس العربية. صحيح أن تجارة الأعشاب والعطارة لها علاقة بحيوية الجسد، لكنني لم أكن أظن أن الكتب العربية تحوي كل تلك الوصفات من أجل القوة الجنسية وتحوي هذا التنوع في الأوضاع التي يُمارس بها الجنس. كان عالمًا عجيبًا أجبرني على تخيل ناس قدماء في بيوت من الحجارة، يعيشون في جو يغص برائحة الأعشاب، لا هَم لهم غير متعة أجسادهم. اندهشت من تلك الحرية التي كُتبت بها تلك الكتب، وبدأت أفهم هذا الانشغال بالجسد والحواس المطمور والمشع داخل حياتنا، ثم تنبهت إلى الحضور الطاغي للجسد في تجارة العطارة التي امتهنتها عائلتي على مر السنين، حضور مبهج محرم، محروس بفكرة الميراث التي تتحول في الثقافة إلى فكرة الشرف.

تجارة العطارة هي تجارة مثيرات الحواس. الأعشاب والعطور ترعى طيف الجسد. كيف يكون للجسد هذا الحضور في رموزه ويتم إخفاؤه؟ هذه الحياة لا تقيد الجسد كما تدعي بل تحتفي به. منحتني هذه الأفكار شعورًا مضاعفًا بالتوتر الكامن في حياة لا تعلن عن الجسد صراحة لكن تحيطه بالعطور والملابس وتحفزه بالأعشاب، واندهشت من التحريم المغلظ للجسد في الوقت الذي تشيع رموزه كل الشيوع. خمنت أن الأمر قد لا يكون بغرض التحريم بل بغرض خلق الإثارة. ناقشت “إبراهيم الألفي” في تلك الفكرة. ضربت أمثلة على الإثارة التي تصاحب ما هو مخفي: تأمل جزءًا من جسد يلوح في نافذة. العري الكامل ليس مثيرًا كالعري الناقص؛ إنه يجعل الحواس أكثر إيجابية ورغبة في إكمال النقص ومعرفة ما وراء الحجاب. التحريم المصطنع يثير حب الاستطلاع الطبيعي الذي أخرج آدم من الجنة. لم يهتم أصدقائي بالكتاب بهذا القدر ولم يُصب أحدًا بالصدمة كما أصابني.

عشت “الروض العاطر” كظاهرة أكثر منه كتابًا. كان بالنسبة إليّ علامة على كسر فكرة السرية وبداية ظهور ما هو مخفي إلى النور. عام 1982 عام طباعة الكتاب في دمشق اعتبرته في تقويمي الخاص، عام ظهور الخفي من حياتنا. في الليل أنظر إلى الصفحات الأولى بدهشة. تلك الأمور المحجوبة التي لا يمكن ذكرها في المجالس العامة، مطبوعة بحروف الطباعة التي تطبع بها كتب الأخلاق والعلوم. من جرؤ على أن يطرح الباطن على السطح بهذه الطريقة العادية التي تطرح بها معلومات الجغرافيا؟

كان تركيزي في الليل على منظر الغلاف والطباعة واسم دار النشر، وكلما تأملت كلمة “دمشق”، أشعر بأنها مكان في كوكب آخر. أتفهم أن هذه الكتب كانت تُخط في زمن قديم ويتم تداولها في إطار المشايخ والتجار، ضامنين أن تلك المعلومات لن تفارق حيز الخاصة؛ مهما زادت المخطوطات لن يتناولها إلَّا من تعلم، وهم قلة بالنسبة لجموع من الناس. لكن أن يطبع هذا الخفيّ على الملأ بهذا الشكل فهو أمر فوق تصوري. كنت أقضي وقتًا طويلًا أعيد مرة أخرى قراءة معلومات الطباعة؛ الشروط التي أنتجت تلك الوثيقة.

في هذا المناخ كان كتاب “النفزاوي” بالنسبة إليّ على الأقل شيئًا باهرًا، يُلقي ضوءًا على أوهامي ويُشعرني بحقيقة ما أشعر به. يأتي بي من استغرابي لنفسي ويقربني من النبع الذي صدر عنه. “النفزاوي” كان قاضي الأنكحة في تونس. ظللتُ أناقش إبراهيم الألفي في موضوع “قاضي الأنكحة” يومًا كاملًا، ورغم أنه قال لي ببساطة إنه قاضي الأحوال الشخصية كما يمكن أن يسميها الاصطلاح الحديث، غير أن الانبهار لم يتبدد. ربما لأننا كنا ما زلنا في زمن الكلمة. فأجهزة الفيديو التي شكلت نقلة في هذا الموضوع لم تكن متاحة في بداية الثمانينيات على نطاق واسع، لم تكن قد انتشرت في البيوت، واشتمل عليها جهاز العرائس.

***

تعرفنا في ذلك الوقت إلى  شاب نحيل يقف صامتًا يدخن سيجارته بتعجل قبل دخول المحاضرات. لا أذكر سبب الصداقة غير أنه كان زميلًا لنا في المدرسة الإعدادية، ولم نشاهده أيام مدرسة طنطا الثانوية، لأنه كان مغرمًا بالأفلام الأجنبية في سينما الجمهورية، ودخل مدرسة التوفيقية بالمصاريف.

“توفيق السيد” فتح أمامنا بابًا جديدًا من أبواب تأمل الجسد؛ كان مغرمًا بالمجلات الجنسية. كل أسبوع يسافر إلى الإسكندرية ليجلب لنا حصيلة جديدة. بدأ تجارته في المجلات الأجنبية وبعد ذلك شرائط الفيديو من بيت خالتي. أقام لنفسه ركنًا في غرفة الجلوس؛ كرتونة فيها كل ما يحصل عليه من باعة الكتب. المجلات كانت حديثة، لم يكن قادرًا على تفسير مصدرها فيخمن أنها تأتي من المراكب التي تقف في الميناء.

“توفيق السيد” من أعجب من قابلت، لا تشعر بوجوده، يمكنك أن تكتشفه من رائحة الدخان، وطيف بسمة لا تفارق وجهه، يحيطه على الدوام حس بأنه متعجل، لا بد من أن يغادر الآن هذا المكان ليلحق شيئًا غامضًا في مكان آخر. كان يعيش في شقة أسرته في شارع “صدقي”. جدته تعيش في نفس البيت، حيث تزوج أبوه الذي كان يعمل “مشرف عمال في ورشة شركة وسط الدلتا”. يوم أن نطق تلك الجملة ببراءة وثقة، ضحك “إبراهيم الألفي” سائلًا:

“وسط الدلتا لإيه؟”

“للمحاريث؟

“للملح والصودا؟”

نظر “توفيق” بعيونه العسلية التي تقترب من اللون الأصفر ووجهه الباسم متعجبًا أن تلك العبارة الطويلة لعمل أبيه لا تحمل معلومات كافية، وقال معتذرًا:

“شركة الأتوبيس يا أخي”.

كان جده يعمل مدرس ابتدائي لا تزال جدته تحتفظ بطربوشه ومظلته، وله صورة معلقة في غرفة الجلوس. أبوه لم يفلح في التعليم، فتعلم الميكانيكا، بعدها ألحقة أبوه عن طريق أحد تلاميذه في شركة الأتوبيس. عاش توفيق مع إخوته الخمسة في نفس الشقة، وتزوج أخوه الكبير في أحد الغرف، ولم يعد له مكان غير كنبة غرفة الجلوس، ورغم تلك الحياة المزنوقة فقد استطاع التغلب على المصاعب التي تعوق رغباته دون تحويلها إلى مشاكل.

الكائن الوحيد الذي يمكنه أن يعيش بدون إدراك لفكرة “المشكلة”. لا يعرف هذا اللفظ ولم يصادفه قط، حتى التدخين الذي أقامت جدته المشاكل بسببه، حلّه بهدوء، وقال لها:

“خلاص يا ستي أنا بطلت السجاير”.

بعد ذلك راح يتسلل إلى سطوح البيت يدخن براحته، وقبل أن ينزل يتناول قطعة من اللبان لأنه يعرف جدته، فيمكنها أن تناديه عندما يدخل البيت، وتجبره على فتح فمه حتى تشمه. بالنسبة لتوفيق السيد كل شيء يمكنه أن يُحل بتجاهله، وتستطيع تنفيذ ما تريد في الهامش الضيق الذي يمكنك خلقه على الدوام.

ساعدته قدرته النادرة على الحديث مع أي شخص، أن يطور تجارته ويشيع بضاعته في كل مكان. بدأ عمله بصور الممثلات ثم المجلات الأجنبية ثم شرائط الفيديو. كانت له طريقة بريئة وهو يفتح الحديث من أشد المناطق هشاشة واشتراكًا بينه وبين المتحدث. بعد قليل يُخرج علبة السجائر ويعزم بسيجارة، وبعد ذلك يطور الحديث العادي إلى أحاديث شخصية، يكون خلالها قد كون فكرة عن طبيعة الشخص، ويعرف إن كان يمكنه أن يبيع له أم لا. لم تكن فكرة البيع أيضا شديدة السيطرة عليه، فهو يعرض ويريد أن يتعرف على آخرين لهم نفس الاهتمام. كان يخمن أن كل الناس تقريبًا مهتمة، لكنهم لا يجرؤون على الإفصاح وكل ما يقوم به هو أن يساعدهم على التعرف على ما يريدون، ومن ناحية أخرى يختبر صحة فكرته.

قد يكون هذا الشغف غير العادي هو الذي خرب تلك الأيام التي عشناها في شقة خالتي. كل يوم والثاني يدخل علينا “توفيق السيد” وبصحبته شخص جديد، يجلس معنا كأنه صديق. بعد قليل يخرج أرشيفه من المجلات وينشرها له، يريه المجلات الفرنسية والأمريكية ويحتفظ بالمجلات الألمانية فهي تفضيله الخاص. في تلك الفترة تعرفنا إلى  ناس غريبة من الصنايعية إلى الموظفين والمحامين والقضاة، ومرة دخل علينا ومعه عمدة قرية من الدقهلية تعرف إليه  في القطار وهو راجع من الإسكندرية. كان “توفيق السيد” يعيش حالته الخاصة باستغراق طبيعي. يتحرك ببساطة غير منتبه إلى الأمور التي تثير مشاكل وتضايق الآخرين، لم يكن يقيم الاعتبار لتلك الأمور.

ذات يوم عاد “مجدي المغربي” من القاهرة. كانت ليلة شتوية، وكان يرتدي سويتر من الجلد ويطيل شعره كالممثلين. ابتسمت وقلت: “لقد أصبحت ممثلًا وأنت ما زلت في السنة الثالثة”. قال إنه أدى دورًا بسيطًا في فيلم سوف يُعرض في العيد. كانت ليلة خميس صاخبة، غطى حديثه المبهر عن التمثيل واستديوهات السينما على تلك الرغوة من الحياة التحتية التي نعيشها، وعندما جاء “توفيق السيد” في ذلك اليوم وهو يحمل زادًا من المجلات الجديدة؛ دفعة جديدة من نساء غربيات بعيون خضراء وزرقاء، وأجساد لامعة ونسب نموذجية، احتقر “مجدي المغربي” تلك الحياة الوهمية التي نعيشها، واشتبك مع “إبراهيم الألفي” في نقاش صاخب حول “الحياة الأصل” و”الحياة النسخة”.

بدت فكرة الأصل والنسخة كأنها تحمل في باطنها رغبتهما على تأكيد طريقتهما المختلفة في الحياة. كان “إبراهيم” منفعلًا وهو يتحدث عن أن سكان باريس عندما ينزلون إلى حوض الأمازون يمكنهم أن يقولوا على من يعيشون هناك أنهم يعيشون حياة وهمية، ولكن سكان المريخ لو نزلوا إلى باريس سوف يرون تلك الحياة الغريبة التي يعيشها سكان باريس، الطرق المزدحمة والهوس بالوقت واللهث من أجل تسديد الفواتير كأن الحياة البشرية تم رهنها من أجل تسديد فاتورة. رد “مجدي” بأن أحلام اليقظة ممتعة وأن الحياة الفارغة في الظل لا يمكن أن تكون حياة حقيقية، مهما حاولت أن تصفها بأنها الأصل. ابتسم “إبراهيم الألفي” قائلًا: أنت تعد نفسك لكي تكون صانع أحلام يقظة، سوف تغتني وتكون نجمًا بسبب بيعك للحياة الوهمية التي تلومنا على عيشها.

ما ضايق “إبراهيم” يومها هو الحس بالتعالي، كأن “مجدي” لم يعش بيننا. اقترحت يومها أن ننزل لنتمشى ونجلس في مقهي. كان المطر يبلل شارع “قطيني” الخالي ويلمع الأسفلت تحت ضوء عمود نور وحيد، أمام القصر القديم. وصلنا إلى شارع البحر وراح “مجدي” يحكي عن الدراسة في معهد الفنون المسرحية، كان يتحدث بفخر وحس بالحياة الحقيقية غير عابئ بالصمت المتربص الذي سكنه “إبراهيم الألفي”. ورغم تلك الزيارة الخاطفة، فقد ظلت غرفة جلوس شقة خالتي كما هي تنبعث فيها الإثارة من صور النساء في المجلات الأجنبية، وزاد الأمر بهجة أن تطوع إبراهيم الألفي ليقرأ لنا القصص المكتوبة في المجلات. معرفته بالإنجليزية والفرنسية ساعدتنا في معرفة قصص لا نهاية لها.

في هذا الجو صحا جسد “سومة” من غفوته، وأصبح، كلما تأملت النساء وكلما ازددت معرفة بالأسرار، أكثر حضورًا من أيام تواجده. استعادت لحظات المتعة العابرة مع سومة، التي كانت مجرد أحداث عادية، في ضوء تلك القصص، وجودها بتجسيم أكبر، وبثراء لم يكن لها، ولاح لي في إحدى الليالي أن أهم تجربة عشتها، كانت في ذلك اليوم الذي فتحت باب الحمام ورأيت جسد “سومة” مكتمل العري، ووجهها الأسمر محاطًا بالشعر المبلول وصوتها المليء بالخوف والمرح: “يا مصيبتي”، ثم همسها أن أنصرف، ولمعان عينيها وهي تختبئ داخل البشكير، وانصرافي المتوتر خوفًا أن تسمع خالتي حديثنا.

جعل البعد جسد “سومة” العاري مؤلمًا وعادت هذه اللحظة محمولة على شحنة عاطفية من الشوق، والألم من ضياع حياة لم أنتبه إلى جمالها وقت عيشها. صحا هذا المشهد البصري كأنه أهم من كل ألعاب الحواس، ما جعلني أنتبه إلى أن ما يحدث لي أعيشه بعد انتهاء حدوثه.

المنظار هو ما جعل النظر يعلو على اللمس، أو ينفصل عنه، وكان هذا ما دفعني إلى أن أرفض محاولات “توفيق السيد” أن يأتي بإحدى البنات إلى شقة خالتي، هذا حد لا يمكنني أن أورط فيه الشقة التي شهدت حياة خالتي، وبدت فكرة أن تدخل الشقة واحدة لا علاقة لها بالبيت أمرًا غريبًا. لم تفلح نقاشات “توفيق السيد” في منحه تصريحًا بأن يصحب إحدى البنات. ذات يوم جاء مبتهجًا، وأخبرني أن هناك فتاة في شقة أحد أصحابه. “توفيق السيد” عجيب لا يمكن لشيء أن يوقف رغباته، لا شيء يقف أمام طريقته اللينة في الوصول إلى ما يريد.

كانت تجربة خشنة رسخت فكرة المشاهدة ونفرتني من الجنس الجماعي. المشاهدة أكثر متعة. في الجنس الجماعي حس بدورات المياه العمومية وفيه نفور من جانبي بسبب الغربة التي شعرت بها معلقة في الغرفة ورائحة العرق والسرير ذي الملاءة المجعدة، والبنت السمينة ذات القميص الأسود، والنظرة المتوترة. هذه التجربة كانت صعبة.

في المغرب نزلت من تلك الشقة، متجها إلى خلاء شارع البحر ومررت بجامع الشيخة صباح وشعرت بأنني ” ملوث”، وتسلل إلى حس بأن النساء كائنات غريبة. كان أمرًا منفرًا، لم أتحمله.

***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *