الرئيسية / رؤى نقدية / رائحة المطر والطين في مجموعة ” قهوة بوتيرو ” للكاتب حسام المقدم .. بقلم شيماء عزت .. مصر

رائحة المطر والطين في مجموعة ” قهوة بوتيرو ” للكاتب حسام المقدم .. بقلم شيماء عزت .. مصر

حسام المقدم قاص صدر له رواية ومجموعتين قصصتين  كما نال العديد من الجوائز أهمهم  الأدبية المركزية عن هيئة قصور الثقافة .أما  مجموعته الثالثة قهوة بوتيرو التي نطرحها اليوم للنقاش .

فالكاتب له خلطته المميزة يجمع فيها غرامه للشعر وتذوقه للفنون . ليبث في سرده نكهته الخاصة ، فتشعر بصدق كلماته حتى وإن كان خياليا ومن المستحيل حدوثه مثل الفناتازيا .

في قصة “أزمنة الجميل” ثلاثة زملاء في المدرسة يجمعهم دفن أشياء تخصهم عند شجرة الجميز . و”منعم” الأكبر من الاثنين  عمرا وعقلا مليء بحزن شديد مـتأصل في روحه نتيجة لموت أبيه  .اختار الكاتب هنا تلك الشجرة لأنها شجرة دائمة الخضرة ، لأنها تعيش طويلا مئات السنوات .و تتميز ثمارها في شفاء الأمراض . فاختارها الكاتب لتكون شفاء لروح منعم من الحزن والألم .وقد يكون اختيارها لأنها معروفة بحجمها الكبير وارتفاعها واستخدم أخشابها المصري القديم لصنع التوابيت والتماثيل  . وقد يرمز الكاتب بشجرة الجميز للصداقة الوارفة التي تبقى آثارها بين الثلاثة وغن تباعدت الأماكن والأزمنة بينهم. فمنعم  يأخذهم إلى عالم مسحور من الحكايات من خلال الكتب التي يقرؤها لهم . لكني أختلف مع حسام المقدم في اختياره لعنوان القصة . كان من الممكن أن يطلق عليها “الخبيئة ” مثلا باعتبارها الشيء المشترك بين الأصدقاء الثلاثة .

في قصته “محاولة جادة لقراءة الكف”يحكي أيضا عن ثلاثة أصدقاء يجدون على الأسفلت  كائنا غريبا لا يميزونه في البداية ثم يتبين لهم بعد ذلك أنه كف نابض بالحياة . لكن يتسرب الوقت سريعا باندهاشهم وتساؤلاتهم فيفارق الكف الحياة  ويدفنونه تحت التراب . الكف هنا قد يرمز للعطاء ,قد يرمز لمنحة الحياة السريعة التي تمر بنا كومضة . تتسع التأويلات التي يختار كل قارئ منهم ما يراه .

 في قصته “أقوال جديدة عن سيرة أمنا الغولة”  يكتب بالتفصيل كيف يفسر العقل الجمعي للقرية الحكاية الشعبية القديمة من خلال حكي مجموعة من الأطفال كل وفقا لخياله الخصب .

في قصته ” نجوم صغيرة فوق نافذة فايزة أحمد ” يدخل  بطل القصة /الرواي لعالم المطربة فايزة أحمد منخلال جارته آمال بدندنتها لأغانيها يتكب كل اغانيها ويحفظها هو الآخر منها . أجزاء من أشهر أغاني ففايزة أحمد كانت بمثابة خلفية سمعية يتم تشغيلها وراء أحداث القصة . ليشترك القارئ معه في الاستمتاع بالأغاني والحكي في الوقت نفسه .

في قصته ” رقصة القيامة ” يلتقط الكاتب لحظة حاسمة هي زلزال أكتوبر عام 1992 . كيف اختلف مصير أربعة صبيان بعد تلك اللحظة وهم واقفين في مئذنة عالية . فالأول أصيب بالجنون والثاني اصيب بفوبيا الأماكن العالية أما الثالث توفى في حادث والرابع سافر لدراسة الفضاء ” في بلاد ثلجية بها مبان تشبه قطع الجاتوه “.

قصة “الضوء الأبيض ” استخدم الكاتب ضمير المخاطب مع التلميذ الذي يجلس منتبها لمعلم مادة العلوم في الدرس الخاص بالمنزل. وكيف يرى المعلم ام الطفل بجمالها الآسر كأنها شمس تدور حولها الكواكب في المجموعة الشمسية . لكنها ترتدي النقاب بعد ذلك ويبقى أثرها فقط حين تسير برقة بعباءتها . فينتهي المعلم حصته بالتنويه عن الكهرباء كرمز للتعلق الشديد بأم الطفل رغما عنه .

قصة “عباءة تسع طيور العالم “يحكي الكاتب بضمير المتكلم عن المدرس وسط زميلاته في حجرة المعلمين وزميلته نوال ذات العباءة السوداء المرسوم فوقها طيور . فيشرد المعلم متخيلا زميلته تذبح الطيور بقسوة  ذلك لأنها تعتبر دردشته معها نوع من التدخل في حياتها وتأمره أن يبتعد عنها . فيصل لحقيقة  تؤنس قلبه عند انتهاء العام الدراسي هي أن الطيور الحقيقية المغردة هؤلاء الأطفال المحبون له بالمدرسة ” أمشي وسطهم وهم يطيرون من حولي . كانوا طيورا حقيقية “.

 تذكرني قصة “قهوة بوتيرو” التي أطلق الكاتب عنوانها على المجموعة ككل.بقصة له في المجموعة السابقة ” شوارع مجهزة للدهشة ” قصة ” لوحة ” التي استوحاها من  لوحة سلفادور دالي الشهيرة “امرأة في النافذة”  .  الكاتب حسام المقدم متذوق بدرجة فنان للفن التشكيلي بجانب الغناء والطرب العربي الأصيل  لذا فهو يقدم نكهته الخاصة متأثرا بالفنون . ففي قصته “قهوة بوتيرو” يحدث تماهي عند بطل القصة /الرواي بين صاحب القهوة جورج وبين بوتيرو الفنان التشكيلي كولومبي الاصل لدرجة أنه يطلق على القهوة وصاحبها اسم الفنان الشهير حتى نكتشف في نهاية القصة أن البطل يعيش متأثرا باللوحات التي صورها الفنان الشهير فلا يستطيع الفصل بين الحقيقة والوهم.

 الجميز والصفصاف  المطر والقطار والنيل كلها مفردات تعبر عن خصوصية القرية المنتمي إليها كاتبنا  حسام المقدم .بل ويلتحم بروحه مع كل مفرادتها . يصل للجذور العميقة من أغان وحكايات شعبية  تدور في عقول أبناء القرية ؛ كي يورط القارئ معه في التأويل والاستمتاع في الوقت نفسه .

……………………………..

شاهد أيضاً

الملهمة والحب والغزل .. قراءة فى قصيدة ” سالي ” ..للشاعر العراقي / عبد الكريم اللامي .. بقلم الشاعر الاعلامي / أشرف عزمي

…   يظل الشاعر المبدع فى بحث دائم عن ضالته إلى ان يقابل ملهمته التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *