الرئيسية / الرواية / خمسة فصول من رواية باب الدنيا .. للروائي الكبير .. محمد إبراهيم طه

خمسة فصول من رواية باب الدنيا .. للروائي الكبير .. محمد إبراهيم طه

الرواية ستكون فى معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017

14182299_10211136752518814_1766763248_n

 (1)

تلك اللحظة

كشخص جديد يرى العالم لأول مرة، لم أعرف من أين أتيتُ، ولا إلى أين أتجه حتى برز شخص من كشك زجاجي، وفتح بهمة بوابة إلى أقصاها كأنني سأخرج بسيارة، ثم رفع يده قائلا: “ألف سلامة يا باشا”. الجملة التي يكررها “زيزو” بآلية مع انصراف الأطباء بسياراتهم جعلتني أنتبه إلى أن التي فُتحتْ بوابة مستشفى، إلا أنني استقبلتها بمعناها الحرفي، ولاح لي أنه يقصد سلامة الخروج من أزمة صحية، فرفعتُ يدي بصعوبة فيما واصل التحديق في ظهري متسائلا:

ـ تؤمر بحاجة يا دكتور براهيم؟

كأنه يكلم شخصا غيري. جسدي مرهق ورأسي خاوية، وزجاج الكشك كان يمكن أن يعمل كمرآة، فيما لو فكرتُ في العودة وسؤاله عمن يقصد وعما يكون قد حدث، وحين ارتبتُ في أن أكون الشخص المقصود، رفعتُ يدي مرة أخرى، وعدلتُ عن الفكرة. واصلتُ المسير ببطء وبلادة في صباح بدا أنه خريفي، ينذر بيوم مكتوم، مرتفع الحرارة، كل الأمور فيه غير مترابطة، لا تشير إلى شيء محدد. صداع فج غامض كأن رأسي محشورة في خوذة ضيقة، وكشكشة في قميص خرجت حوافه من البنطلون، وسابوه أبيض في قدمين أنقلهما بصعوبة، لكنني بعد أن أغلق الشخص الذي يشبه “زيزو” البوابة من خلفي، لاح لي أنني في أقصى المدينة، أمام مستشفى تعليمي، خارج من رقاد طويل، غير أني لا أعرف إلى أين أتجه بعد أن كنت أتمشى بالداخل في ردهة واسعة، بين باب أخضر ذي لافتة نحاسية وأول السلم، جيئة وذهابا سعيدا بقدرتي على التنقل دون ألم حتى انفتح باب مصعد فجأة، وأطلت منه رأسُ عامل:

ـ نازل يا دكتور براهيم؟

لا أحد في الردهة سواي، خجلتُ لأنني لا أتذكر اسمه، فأومأتُ برأسي ونزلتُ معه فيما لم أتذكر أنني صعدتُ أصلا، وعندما هبَّ واقفا وقدم لي مقعده تخيلتُ أنه يعرف شيئا لا أعرفه، وكنتُ متبرما من عدم وجود مرآة فيما كان يرمقني كأنه يريد أن يقول شيئا، لكن المصعد توقف في الطابق الأرضي، ففتح الباب ورفع يديه متسائلا:

ـ تؤمر بحاجة يا باشا؟

حتى عامل المصعد تنطوي نبرتُه على استعداد حقيقي للمساعدة أكثر منها مجاملة آلية، لكن إيماءتي كانت بلا معنى، وذاكرتي خاوية، آخر ما تعلق بها ألم حاد في صدري، انتابني لحظة إدخال فتح الله إلى المقبرة، والرجال الذين أدخلوه لابد أنهم الذين أرجعوني إلى الخلف، وحملوني إلى هنا. كم من الزمن مر وأنا أتمشى بردهة صامتة، ولافتات “رجاء الهدوء” كثيرة إلى درجة الضجر حتى انفتح باب المصعد؟ وكم من الزمن مر وأنا خلف باب أخضر بلافتة نحاسية مثبتة توقعتُ بدون النظارة أن يكون المكتوب عليها “عناية مركزة”؟ لا أعرف، لكنني لا أذكر من المدة المفقودة سوى لحظة إفاقة، والدكتور بنداري إلى جوار السرير يتنفس الصعداء في غيظ:

ـ كان هيقع من عالمرجيحة!!

ولم يكن بالمكان أرجوحة، لكنه أخذ حذاءه وخرج مهرولا، من خلفه نائب العناية، فغفوتُ مرة أخرى إلى أن انتبهتُ إلى طبيبين أحدهما يبتسم:

ـ أهلا بالعائد من الموت!

على أحد مقاعد الكورنيش جلستُ بلا نظارة طبية، صدري ضيق كأنه مربوط بحزام ضاغط، وأثر باهت من ألم كان مبرحا، وشوارع المدينة الصغيرة خالية من المارة كأنها لم تستيقظ بعد، غائمة كأنني أراها من داخل صندوق زجاجي محكم وعازل للصوت، لا أدري إن كان  من جراء موت فتح الله، أم لخروج علياء من “جرين هايتس” في حالة من الأسى تنتابها في سبتمبر من كل عام. حادثان جثما على صدري، فانتابني الألم، وحين أفقت من غفوتي، وسرت خارج العناية المركزة، وجدت ملفي معلقا بالخارج والتشخيص: myocardial infarction?!، فتذكرتُ أحد الطبيبين وهو يتبع بنداري حين حدق بعينيه الضيقتين في التشخيص وأشاح بيديه في الهواء: “كل حاجة جلطة في القلب جلطة في القلب؟!.. إيه؟!” ثم خلع السابوه من قدميه باستهجان منتعلا الحذاء، فيما النائب من خلفه يقول بارتباك “ده اشتباه حضرتك” ويسأله عن التشخيص الصحيح. ليلة في العناية المركزة، سبع ساعات منها لا أدري عنها شيئا، من التاسعة مساء حتى الرابعة فجرا، وعندما سألتهما، قالا: “انكتبلك عمر جديد”، قلت: والتشخيص؟، فردّا في نفس واحد: “اسأل الدكتور بنداري!”

خطر لي أن أسلك الشارع المؤدي إلى قلب المدينة. أعرف بيته. أول مؤسس لوحدة العناية المركزة قبل واحد وعشرين عاما. تجاوز الثمانين وما زالوا يستعينون به في الحالات الكبرى. أحيل إلى التقاعد يوم أن تسلمتُ عملي بالمستشفى. أسير متمهلا، كأنما بلا هدف منتظرا أن يعود إلى أذني صخب المدينة الذي أعرفه، فيما بدوتُ كأنني أضع سدادات محكمة للأذن حين مررتُ بسرادق مرتفع يخبئ خلفه بيتا من طابقين؛ عيادة بالأرضي، وسكن في الأول. باغتني في مدخل البيت القديم رجل طاعن في السن “على فين؟” قلت: “الدكتور بنداري” قال بجفاء: “مش موجود”، فأدركت أنني جئت مبكرا، وحين سألته عن المواعيد، كدت أتعثر فيه، فقال بغلظة “إنت مبتشوفش!”

لم أعرف على وجه التحديد أين فُقِدتْ نظارتي الطبية، في المقابر أم بالمستشفى، أم في المسافة بينهما؟ لكنني منذ بلوغي الطرف الآخر للمدينة، كنت قد اعتدت السير بدونها، وتلاشت هواجس البحث عنها، ودفعتني الشمس المواجهة للسير في طريق فرعية على جانبيها أشجار أسلمتني إلى زراعات كثيفة. واصلتُ التقدم على طنين كأنه حفيف أوراق أو أصوات طيور أو موسيقى لا أعرف مصدرها، ثم تفرعت الطريق إلى سكك ترابية ملتوية ومتشابهة، تعانق جداول تتشعب بين مساحات ذرة مرتفعة. لم أميز أيهما الأصل: الجداول أم السكك؟ والأنين في أذني لا يقترب ولا يخفت، ولم تكن تحدوني رغبة في السير في اتجاه معين، والسكك تركتْ نفسها للماء، أينما يسير تسير، كأنها تابعة، وكأن هدفها ليس نقل البشر بقدر ما هي تنقل الماء، وحين تساوت الطرق، وصار التقدم كالرجوع، ارتفعت سدادات الأذن تدريجيا، ولاح لي الأنين الموجع كأنما لناي، والصوت الجماعي كأنما لكورال شرقي مصاحب بدأتُ في التعرف عليه، لكن الجدول التقى بغتة بترعة، والتحمتْ السكة التي كنت أسير عليها بطريق مسفلت، فانقطع مرة واحدة صوت الناي، وأبصرتُ من خلف الأشجار جموعا محتشدة، فلم يداخلني شك في أنهم كانوا يرددون “على بلد المحبوب ودٍّيني”، وارتفعت السدادات عن أذني تماما حتى إذا صرختُ: جنازة من؟ وقيل:”الدكتور بنداري”، وجدتني في مواجهة المقابر، ولاح لي أن السابوه المترب في قدمي هو الذي خلعه بنداري من قدمه، فلم أدرك إذا ما كنت داخلا إلى الدنيا أم خارجا للتو منها، لكنني كنت في هذه اللحظة أرى الدنيا كأنما لأول مرة.

 

(2)

حوش ومقبرتان

هذا المكان أعرفه،

حوش ومقبرتان،

 واحدة للرجال

 وأخرى للحريم،

 وبونسيانا حين  أويت إليها في ظهيرة حارقة،

لم تكترث “فرس النبي”،

ولا هرب “حرامي الحلة”،

ولا جفلتْ سحلية ترقد في سكون كأنها ميتة.

هذا مدفني، أراه كأنما لأول مرة؛ حوش ومقبرتان ومصطبة، وفتحتان عليهما مجاديل وأقفال حديدية، وموسيقى تنبعث من الخلف خافتة وموغلة في البعد لا أميز منها سوى أنها حزينة. أوراق جافة وورود حمراء هرستْها أقدام المشيعين بالأمس، أزحتُها وجلستُ لا يفصل بيني وبين “فتح الله” الذي غرس البونسيانا في ظهيرة كهذه سوى باب أوصد بالأمس. قبل ثلاث سنوات كنت أريد الصبار لكنه قال وهو يغرسها: “ستحب هذه”، وكتب اسمي على لافتة رخامية ومن تحته كلمة “وأسرته”، ثم رصَّ ما تبقى من طوب على هيئة مصطبة طلاها بالإسمنت، وقال في زهو: “حتى لا يمضي الزائر وقته واقفا” ورشَّ بقية الماء على جذرها مضيفا: “ولا تعذبه الشمس.. وللّا إيه رأيك؟!”. تململتُ من القيظ، ونهرتُه لينتهي قبل أن يقتلنا الوهج، فابتسم قائلا: “ثلاث سنين وضلها يفرش قيراط”.

هل مرت ثلاث سنوات؟ لا أذكر سوى أني والقيظ، على مصطبة تغطيها زهور حمراء حديثة السقوط، وموسيقى خافتة بدا أنها لأحمد صدقي أو محمود الشريف، أحدق في مقبرة لم يدر بخلدي أنه كان يهيئها لنفسه فيما يبتسم بالداخل ويسألني سؤالا لا ينتظر سوى إطراقة بالرأس “إيه رأيك؟!” وحدي أحدق في المقبرة وأعترف أنه الأبعد نظرا، يرى ما سيحدث كأن حدوده شفافة، وحين أظلت البونسيانا الحوش وسقف المقبرتين، فعلها بالأمس. “إيه رأياك؟!” أطرقت برأسي وجُمْعَه أبو الجود يضرب كفا بكف وهو يخرج من مدافن عائلة “الريس” ويصرخ: “اللي فتح التربة دي أعمى؟.. مبيشفش؟.. عديم النظر خالص؟! حراااام عليكم حرام”. لم أفهم سبب ثورته، فجفف يديه المبتلتين بذيل جلبابه وانتزع الكشاف وسلطه نحو جوفها فبدت مغمورة بالمياه. “إيه رأياااك؟!” لا رأي لي، وأنا أعرف أنه أقسم ألا يُدفن في مقابر عبد الشفيع حجاب لكلمة قالها أبناؤه، ولا في مقابر عائلة الريس لأن خاله لم يغضب لهذه الكلمة، لكنني لم أدرك أنه قرر أن يدفن عندي إلا والجنازة على مشارف المدافن وجمعة يقفز من جوف المقبرة مفجرا غضبه في “مراكبي” الذي تعلل بأنه فتحها في عتمة المغرب ولم يفكر في النظر بداخلها، وحين عرض أخوة عفاف فتح مقابرهم، تذكرت الكلمة التي جعلته يخرج من الجلسة، فأخرجتُ المفاتيح بمحض إرادتي وناولتُها لجمعه وقلت: “فتح الله هيندفن عندي” إرادتي أم إرادته؟ لا أعرف، لكنني لم أعد أميز بين الحقيقة والمجاز حتى بعد أن أجبر إبراهيم أبو خليل في نفس الليلة أولاد عبد الشفيع حجاب على توصيل أختهم حتى باب فتح الله، وفي حضور خاله مراكبي الذي قال وعفاف أمام الباب: “مراتك أهه، واعمل حسابك هتندفن عندنا غصب عنك”، فقال وهو يفسح الطريق لها بنبرة أكثر إصرارا: “علي الطلاق أسيٍّب لكم فيها شوية ميه، وشوفوا هتعملوا إيه؟” أين الحقيقة في الكلام وأين المجاز وأنا أرى المياه الجوفية تتسرب من مقابر عائلة الريس فأقوم كمجنون إلى أكمة بوص، وأنتزع واحدة، وأقطعها على مقاس ذراعيً المفرودتين بطول نصف قصبة لأقيس الظل، فإذا به أربعة عشر قصبة إلا ثُمنا، لا أكثر ولا أقل، وإذا بالزمن الفاصل بين زراعتها وجلوسي في ظلها الآن ثلاث سنوات قمرية!.

مخي يوشك على التوقف. لا أدري هل عرفتُه حقا أم أن تفكيري بطريقة الأبيض والأسود حال دون ذلك، فظل جانب من هذه المعرفة بعيدا، في منطقة عمياء، لا يدركها من هم على شاكلتي ممن ينظمون الزمان والمكان، ويحافظون على الإدراك، ويفصلون بين المشاعر والأفكار. لست أدري. ظهيرة قاتلة، وموسيقى بعيدة تتلاشى، ولا شيء سوى وشيش صهد، وطنين ذباب أخضر، وبقعة مياه تلوح على البعد كأنها سراب. أرفع بصري خارج الظل، فلا تختفي. أتقدم ببطء. بقعة شفافة، راكدة، كأنها موجودة منذ الأزل. تنعكس عليها أشعة الشمس.عندما وجدتُ أنها مياه جوفية تنشع من مقابر عبد الشفيع حجاب، تأكدت بما لا يدع مجالا للشك أن حدودي الكثيفة حالت دون أن أعرفه.

 (3)

قوة غامضة

المكان أعرفه، والشظايا المتناثرة بقايا زجاج نظارتي المفقودة، دهسَتْها آلاف الأقدام المتدافعة بالأمس، والذي بالداخل هو فتح الله، فلماذا أراه بطاقية بيضاء يتمشى في فناء ومن خلفه مسبحة كأنها ثعبان يراها العو فينتحي جانبا ويرفع يديه في خشوع؟ وكان العو حريصا على هذه الحركة بعد ما حدث في فناء المدرسة، فالعو الذي يقول “الشكَلْ للبيع” كان راسبا لسنتين في ثالثة إعدادي، يلف السجائر، ويشرب زجاجتين كينا ونصف في اليوم، ويحفظ عن ظهر قلب أفلام بروس لي، ويفتح المطواة لأتفه سبب في وجه أي واحد، لكنه لم يعرف إن كان الأمر مبيتا أم محض صدفة، أن يمر فتح الله بجواره بينما يلف سيجارة في دائرة المنتصف ويغرس قرن الغزال بين قدميه، فناداه بشفتيه المزمومتين على سيجارة توشك أن تنتهي: “خد ياد يا بن زمزم!”. استدار فتح الله مستفهما، فأخذ نفسا وأخرجه في حلقات وهز رأسه متعوجا: “في حد غيرك أمه اسمها زمزم؟! إيه اللي ف إيدك ده؟..وريني!” ناولها له فتح الله وقال”سبحة”، فحدَّق فيها لبرهة، وجذب نفسا طويلا وطوح بها في الهواء كأقل عقوبة لمن لم يحترس في مشيته، فيقع ظله على العو، لكن فتح الله وقبل أن تسقط المسبحة على الأرض، كان قد انقض عليه ورفعه لأعلى، ودار به حول الفناء لفة كاملة، ثم أخذ يدوٍّخه بسرعة قبل أن يتركه ليقف ويسقط حتى إذا همَّ بالتقاط المطواة، جذبه فتح الله من بطنه ولم يتركه حتى تعهد ألا يسخر من فتحي النُّص وعبد العزيز أرنب، أو يبتز عطية عبد الحق وجمال بن ظريفة، أو يحتك ـ كلما راح أو جاء ـ بماريان أسعد وهدى عبد الشفيع. وسط ذهول الجميع كان فتح الله يتلو الأسماء و”العو” يرددها خلفه مرتين متململا من الألم حتى إذا أشار إلى المسبحة الملقاة، زحف نحوها ورفعها أمام عينيه بإذعان مقرا بأنه قليل الأدب، وأنها المرة الأولى والأخيرة التي ينظر فيها إلى المسبحة!

لم يستوعب العو ما حدث، فقد كان مباغتا، كما لم نستوعب نحن الأمر أيضا في اليوم التالي حين لم يناديه أحد بأمه أو يستهزء بالمسبحة وهو يلاحق شاحنة حتى سبقها ثم انحرف إلى منتصف الطريق، لا يفصله عنها سوى شبرين، وكلما زمجرت الشاحنة، تبادلت قدماه الحركة مع ذراعيه المسرعتين ليحتفظ بالشبرين والسائق المتذمر يزيد من سرعته بلا جدوى إلى أن انتحى جانبا وهدَّأ من خطواته، لتلوح شائعة القوة الغامضة مع تأخر العو في الانتقام، ووقوف السائق الذي كان غاضبا في اليوم التالي وأخذه إلى جواره، وعند تهدئة القنطرة ظل يفتح له الباب كل يوم ليقفز ملوحا له في المرآة، ثم ترسخت عندما رأينا العو يصرف النظر عن الانتقام ويبادر بالابتسام أينما رآه رافعا يديه في خشوع وإجلال مكررا في كل مرة أن “العو” يتعامل مع البشر فقط، ولا قِبلَ له بالملائكة، ثم يمصمص شفتيه في ذهول مؤكدا أنه لا يعلم ما الذي شلّ يديه، وبدلا من أن يهم بنزع المطواة من الأرض ليغرسها في بطنه، وجد نفسه يفعل ما حدث. تأكدت الشائعة إلا أنني فشلتُ في الوقوف على أسبابها أو ماهيتها، فوضعتُه قيد المراقبة لفترات طويلة في الشارع والمدرسة، وفتشتُ صندوق الكتب القديمة في بيته فلم أجد بينها كتبا للسحر، واقتحمتُ خلواته في الحقول وفي مسجد البحر فلم ألاحظ ما يختلف عنا فيه إلا مسبحة صغيرة لا يخفيها ولا يتعمد إظهارها، تنزلق حين يرفع يده بالدعاء إلى معصمه، وحتى هذه فقدت أهميتها حين أعلنت نتيجة الإعدادية، وقد قفزنا معا في نفس اللحظة، وهرولنا في الشارع، وبدلا من أن نسير باتجاه المدينة، دخل متحفزا إلى درب سيدي بكتوت كأنما لأمر عاجل، فتبعته، وكان الحر قاتلا، وأشجار الحور بأوراقها الفضية ساكنة عندما اعتلى السور والمسبحة تتأرجح في معصمه، وقفز في الساحة، ومال على كومة من الحجارة، فملأ سيالته، ثم دفع باب المضيفة ودلف بين مصاطب مفروشة بالحصر، وصعد مباشرة إلى السطح دون أن يقرأ الفاتحة لصاحب المقام، وتسلق سلما خشبيا والتقط حبلا معلقا في المنارة وتسلق القبة حتى جلس على قاعدة المنارة، وظل يتكلم، وهو ينظر لأعلى، متفاديا بكفه شمسا تعشي عينيه، فتتلألأ المسبحة في معصمه من دون أن أتبين ما يقوله وأنا جالس وسط الساحة على حوض طلمبة منزوعة اليد، وحين علت نبرته كأنه يتشاجر، تبينتُ أنه يصوب الحجارة الصغيرة إلى هدف في السماء، وفي كل مرة يصعد الحجر لأعلى ثم يسقط، فيقول بنزق:”مليش دعوة.. لازم أطلع الأول”، كان يعيد التصويب ودموعه تهطل حتى أنهكه التعب، ولم تعد الحجارة الصغيرة  ترتفع كثيرا، بينما يكز أسنانه في غضب:

ـ مليش دعوة .. لازم الأول.. وأسافر ألمانيا!.

لم أقصد حين تبعته التحقق من شيء، لكن المسبحة التي كانت أقرب إلى خاتم سليمان انفرطت حين قذفها من أعلى بغضب، والعائدون من المدينة ظهيرة نفس اليوم أفادوا بتأجيل النتيجة إلى صباح اليوم التالي، ولأنني كنت متيقنا من رسوبه، فقد حرصتُ على الذهاب وحدي، إلا أنني ارتبكتُ عندما حصل بعد كل الحجارة التي تناثرت في الساحة على المركز الأول، وتجدد ارتباكي بعد ثلاثة عقود وأنا أستقبله في صالة الوصول عائدا من ألمانيا في جلباب أبيض وطاقية بيضاء.

 (4)

مصير مشترك

 المكان أعرفه،

مقبرة  بالطوب الوردي

بنيت قبل ثلاث سنوات،

 وعلى بابها بالفارسي:

“كل نفسٍ

ذائقة الموت”

مدافن الدكتور

 إبراهيم جبر إبراهيم وأسرته،

فلماذا  يرقد فيها منذ الأمس

  فتح الله

 ابن عمتي “زمزم”؟

 بوسعي كعائد من الموت أن أعاين فكرة “المصير المشترك” حقيقة وكانت تطاردني من قبل كهاجس ألح بالأمس لحظة قدوم الجنازة، وواصلت الضغط عند اكتشاف المياه الجوفية في مقابر أخواله، وصارت حتمية عندما ناولت جمعه أبو الجود الغاضب مفتاح المقبرة، وما إن هبط إلى جوفها حتى التفت لي منشرحا، فتجسد أمام عيني ما حدث لظريفة الداية قبل خمسة وأربعين سنة حين تعثرت في الهزيع الأخير لإحدى الليالي الشتوية وهي تتردد بين درب الشيشيني ودرب حمدان، تارة برفقة خاله مراكبي وأخرى برفقة أبي، لتتابع أمي وعمتي اللتين جاءهما المخاض في ليلة واحدة آملة أن تقوم بتوليد واحدة ثم تتفرغ للأخرى، وكان الفارق متسعا في مراحل الولادة بينهما بما يسمح بذلك، لكنه ضاق بين الحالتين، فتعثرتْ أكثر من مرة، وخاب أملها تحت وطأة صراخهما المتلاحق، مما اضطر خاله “مراكبي” وجده “أبو عرب” إلى حمل عمتي “زمزم” على سلم خشبي قصير عبر دار “عجوة” التي تفتح على الدربين، لكي تلد في بيت أخيها لأم، فأخرجت “”ظريفة”” رأسه أولا، وتبعتُه في الخروج بلا فاصل زمني، وهرع الريس “أبو عرب” إلى حافة النهر حتى سمع مركبا يمخر في الظلام، فظل ينادي: “يا عم يا غريب.. جالنا ولدين النهاردة نسميهم إيه؟، حتى أتاه الصوت النائم من بين الضباب: “سمي واحد فتح الله والتاني إبراهيم”. وقبل أن تغسل “ظريفة” يديها، كان قد عاد بالاسمين لتتندر كلما قابلتنا معا:” ورا بعض .. حتى في الشارع!” وهي الواقعة التي بحسبها نكون قد ولدنا في نفس اليوم، وفي نفس اللحظة، وبنفس اليدين ربما كتوءم، وبحسب فكرة المصير المشترك التي صرت أصرفها عن ذهني فلا تنصرف منذ مرض فتح الله، صار حتميا أن يكون الخروج في نفس اللحظة، وفي نفس المكان وبلا فاصل زمني.

صرفتها عن ذهني، وسألت “التربي” وهو يسوي أرض المقبرة إن كان بإمكانه نقل رفات أبي الميت منذ عشرين عاما، وأمي التي ماتت بعده بعامين إلى مقبرتي، فقال: “من عنيّا”، سألته هل يمكن التعرف إلى رفاتهما بعد هذا العمر، فوضع سبابته أمام عينيه بالتبادل وقال بكل ثقة “إن شالله بعد خمسين سنة”، قلت: “يا شيخ!” فقال: “عيب يا دكتور” أبوك الله يرحمه مدفون في القرافة القديمة أم قبو اللي في الدوران، والوالدة في آخر تربة في الشارع المسدود، قلت: أعرف، لكنني أسأل عن زحام المقابر القديمة، فقال بكل ثقة: “عيب.. لو في وسط مِيَّه.. جمعه أبو الجود ينقلهم بعون الله”

بوسعي كعائد من الموت أن أجزم بأن الألم هو الذي أيقظني بالأمس لا رنين التليفون، وبأنني تجاهلته طوال الجنازة إبعادا لفكرة المصير المشترك، لكنه ظل كامنا في صدري وممضا إلى أن اكتشف “جمعه” المياه الجوفية في مقابر أخواله، وامتدت يدي بالمفتاح إليه فدخل إلى مقبرتي، وكان مبتهجا على غير العادة وهو يسوي بيديه الطويلتين تراب المقبرة، جاثيا في الداخل بانتظار فتح الله لكن في مساحة تكفي لاثنين، ولما أعرضتُ عنه، نادي بلوعة: “دُكْتُر براهيم.. يا دُكتور”.  نظرتُ إليه في شرود وهو يحرك شفتيه: “خلليك معايا .. رحت فين؟ مش كده أحسن؟” فاعتصر الألم صدري بشراسة، وأحسستُ من شفتيه وحركات أصابعه أنه يمهدها لي، واستحال الألم إلى سكاكين تمزق صدري وكتفي الأيسر، وبدا فجأة أن كل ما يحدث يؤكد على أنه لا فارق في الخروج، تماما كما لم يكن هناك فارق في المجيء. انهمر العرق، وحاولت التحمل وأمسكتُ بصدري حتى تلقّفَتْه يدا “جمعه التُّربي”، فشقت صرختي المدوية سكون الليل، وجذبني الواقفون إلى الخلف، ثم أخرجوني من المقابر.

 (5)

أرجوحة الماء

هذا الباب أعرفه، والمصير المشترك فكرةٌ بلغت ذروتها مع إنزاله إلى جوف المقبرة، وبلوغ الألم منتهاه، وخروج صرختي طويلة وممضة، وصارت فكرة “المصير المشترك” حقيقة عندما انعدمت الرؤية، واصطك باب في جدار، وحل ضجيج أعقبه سكون، وانسحب جميع من في المشهد، وتلاشت أصداء الصرخة، وتكاثف على جبهتي رذاذ بارد، وخالجني شعور أن الألم سيزول فيما لو أتاني أحد بسالي وسوسن، أو أرحتُ رأسي على صدر علياء، فزال الألم تدريجيا، وحل محله خدر لذيذ، وتناهت الأصوات إلا من همسات غير محددة، تدفعني داخل نفق مظلم، سرعان ما تحول إلى أنبوب أملس، أنحدر خلاله على لوحين كقارب ينزلق وحده، شلالات هادرة ولا بلل، ورجرجة شديدة كأنها مطبات هوائية، حتى إذا انقشعتْ الظلمة وتجلى في نهاية النفق نور مبهر، تحررتُ من ثقلي، وصرتُ كريشة في الهواء، وخالجني شعور غامض بسكينة عارمة حين رأيتُ بشرا يتشبثون بأرجوحة تدور لأعلى، نصفها في الهواء ونصفها في الماء، يعتريهم صخب وحبور حين تصعد بهم، يهزون رءوسهم ويشهقون فيتناثر الماء ثم يصرخون قبل أن تأخذهم مرة أخرى إلى الماء، وعندما حان دوري، اكتشفتُ أن من صعدتْ بهم الأرجوحة لم يكونوا هم الذين نزلتْ بهم. حاولتُ التراجع، فدفعني القادمون من الخلف، وحين غمرنا الماء، تركتْ أيدينا المقابض التي نتشبث بها وتلقفتها أيد جديدة مشرعة ومتحفزة، لكن رجلا طاعنا في السن التقط كفي وأعاد تثبيتها بالمقبض مرة أخرى، وأشار لي في سعادة، قبل أن يتوه بين أولئك الذين تخلت أيديهم عن المقابض وصاروا كأسماك نافقة، أهدابهم مطبقة، وأيديهم معقودة على صدورهم أو مسدلة خلف ظهورهم، بلا أدنى رغبة في التقلب فيما كنت على الجانب الآخر من أرجوحة الماء مع الصاعدين الجدد كطيور سابحة في السماء، يتناثر من حفيف أجنحتي وأرديتي الفضفاضة رذاذ بارد.

هل يمكن الجزم بأن حدودي بين الصخب المزعج والسلام العارم صارت شفافة؟ كأنني قادم من رحلة طويلة أستعيد تفاصيلها، أو أعمى تعود إليه بصيرته بشكل تدريجي، و”مالك ومالي” ترنيمة قادمة من بعيد لكنني لا أميز إذا كانت بناي محمود عفت أم بصوت سالي وسوسن، ووجه فتح الله أراه بوضوح لكنه رضيع، من أمامه تسقط قطرات المطر في رتابة، وفي الخلف سماء زرقاء وندف سحاب صيفي، عيناه ترسلان نظرة حزينة ومفعمة بانكسار من يواجه الحياة من أول يوم وهو يتيم. تلك النظرة التي دفعت بعمتي أن تضمه وتجعل منه حائلا بينها وبين جده الذي يقنعها بأن تتركه، فتربية العيال كتربية الدجاج، ولقمتُه لن تنقص من أكل الأسرة شيئا، أما الكسوة فجلباب للصيف وآخر للشتاء، وكان الريس “أبو عرب” يهون على ابنته الأمر حتى توافق، لكنها نظرت إليه، وحسمت الأمر، لتهدر شبابها كأرملة من أجله، فلا يقول أحد إنها كالقطط، تُخلِّف وتَرْمي، ورفضت كل الذين تقدموا إليها حتى صارت على النقيض من أمها التي تزوجت من إبراهيم جبر فأنجبت منه أبي، ثم تزوجها الريس “أبو عرب” كي تأتي بالولد، فأتت بزمزم قبل أن تبالغ في العناد وتتوقف عن الإنجاب، ليتزوجها عبد الحق اللبان فتأتي له في الوقت الضائع بعطية الذي كان يتباهى بأنه عم أحدنا وخال الآخر.

لابد أنه كان السبت، فعمتي لم تكف عن الحركة منذ الصباح، تُعكرتْ حولنا كأنما بلا هدف، معنا وليست معنا، لا تتدخل في الحديث ولا تتركه، تنثر الحبوب حولنا فيلتقطها الحمام وتبدو مشغولة بترقيع فتق في جلباب، أو تدكيك أستك في سروال، أو خض اللبن، أو شطف الأواني. أفعالها تبدو عفوية لكنها لا تلبث أن تنبئ عن أمر مبيت عندما تمسك في النهاية بصدر جلبابها ممتعضة، فنعرف أنها ستشعل الوابور وتزيح الأوعية الصغيرة جانبا، وتملأ الحلة النحاس بالماء، وتدخل الوابور المشتعل إلى الحجرة، ثم تقول وهي تغلق الباب من الداخل: “العبوا مع بعض على ما أشيل شوية ميه.. إوعوا تبعدوا” ورغم أنني كنت بالخارج إلا أنني كنت أعرف أنها رفعت كفها في ضوء وابور الجاز إلى ظهرها من الخلف، وأمسكتْ بطرف الليفة، وبأصابع اليد الأخرى الآتية من الخلف التقطتْ الطرف الآخر، ومررتها صعودا وهبوطا على ظهرها الأبيض وهي تغمغم، وكنت متأكدا أنها تتدلل في هذه اللحظة وهي تجفف جسدها بالفوطة، وترتدي على مهل حمالة صدر، وتميل بعنقها لتحدق في كسرة مرآة مثبتة بالحائط وتمشط شعرها الطويل لينسدل على كتفيها، قبل أن ترتدي جلبابا بزهور صغيرة غامقة على أرضية بيضاء، مترنمة بنغمات حزينة ومحلقة أظنها “طاير يا حمام” أو “رايداك والنبي” حتى يخفت صوت الوابور فلا أدري إذا كنتُ بالداخل أم بالخارج، لكن صوتها يصل إلى أعلى مراحل الشجن حين تنزع الجلباب الفاتح، وتطويه لتضعه في الصندوق، وتخلع حمالة الصدر، وتجدل شعرها المنسدل في ضفيرتين ترميهما إلى الخلف، ثم ترتدي سروالا بكرانيش، وترتدي جلبابها الغامق، وتحكم الطرحة السوداء حول وجهها ثم تمسح دموعا وهمية قبل أن ترش الماء في أرضية الدرب، وحين تراه جالسا في بقعة شمس، تضمه إلى حضنها بلهفة كأن أحدا سينزعه منها، وتخمش ظهره العريض، وتمسح دموعا افتراضية على شباب ولَّى قائلة: “فداك يا قلب امك”

لابد أنه كان السبت حين تمايلت عمتى لأول مرة بجسد بض حتى اندمجت تماما مع إيقاع دف لم تكن تعرف مصدره عندما سقطت على الأرض حتى أفاقت وتلفتتْ في ذهول وهي تتفقد جدران الغرفة الداخلية، وتنظر إلى جسدها وإلى الوابور المشتعل، فتنفتح في بكاء حار، ولابد أن كثيرا من الوقت قد مر حتى عرفت أنه قادم من دار كامل الطبال الواقعة في الخلف، ولابد أن كثيرا من الزمن مر حتى اعتادت الدخول كل سبت إلى الحجرة الداخلية، حيث يكون الإيقاع أوضح ما يكون، لا يفصله عنها سوى جدار الحجرة الملاصقة لحجرة كامل، ولابد أن كل هذا الزمن قد مر دون أن تعرف أن ما تتماهى معها بالداخل لساعات هي موسيقى لأحمد صدقي وعبد العظيم محمد قبل أن تخرج مرعوبة مكفهرة الوجه كأن وقتا طويلا مر، أو أننا انصرفنا من الفترة المسائية وظللنا نطرق الباب ولم تسمع، وحين لا تجدنا في الدهليز، تخرج ملهوفة إلى الدرب ثم داير الناحية وتنادي بلوعة كأنها لن ترانا إلى الأبد:

ـ يا فتح الله.. يا ابراهيم .. قلب امّكمْ!

اللوعة والحنان الفائض والدموع التي توشك أن تنبثق هي ما دفتعني إلى حبها أكثر من أمي، وجعلتني أميل إلى تقبل ما تصورته ولم أبح به لأحد، فعندما توقفتْ عمتي عن الإنجاب، فهمتُ الأمر لأنها أرملة، لكنني لم أفهم لماذا توقفت أمي، ولم أتقبل فكرة أنني أغلقت باب رحمها من خلفي كما تشيع بين الناس، وسألتها بأسى: ولماذا جف اللبن من صدرها ولم يجف من صدر عمتي، فرمقتني بضجر: “وشك كان وحش.. ورزقك شوية.. أعمل إيه؟!!” نبرتها الزاجرة تلك لم تستقم مع خروجي من داخلها، فتعاظم شعوري بأنها ليست أمي، وصرتُ أكثر ميلا إلى تصور آخر؛ أنني خرجتُ بعد فتح الله مباشرة، حسب رواية “”ظريفة””، لكن من رحم عمتي، وأن الرواية صحيحة في نصفها ومغلوطة عن عمد في النصف الآخر، ولاح لي في النهاية أن كل أطراف الرواية كانوا يعرفون وعلى رأسهم “ظريفة”، لكن أحدا لم يشأ البوح بالحقيقة مجردة، تلك التي ناوشتني في البداية كخاطر في دهليز عمتي زمزم، ثم تبلورت مع شعوري بالرغبة في الارتماء في حضنها كلما فردت جناحيها ونادت علينا سويا: “رحتوا فين يا قلب أمكم؟”، ثم صارت حقيقة كاملة مفادها أن أمي كانت عاقرا، وما حدث أن عمتي تركت أحد ولديها التوأم دون أن تدري لأخ ظلت زوجته تربط ـ ربما بدافع الغيرة ـ مخدة إلى بطنها مع عمتي يوما بيوم، حتى موعد الولادة، بإيعاز من “ظريفة” التي كانت تعلم بوجود جنين آخر بالداخل، وإمعانا في طمس المعالم، تعمد أطراف الرواية هذا الفارق الزمني في تسجيل واقعتي ميلاد واحدة.

الحضن المفتوح لضمنا بلهفة هو ما جعلني أحبها أكثر من أمي، واختبارا لافتراضٍ سعيتُ لتحويله إلى حقيقة، أجبتُ أبي حين سألني أين كنت طول النهار بأنني كنت عند أمي “زمزم”، فامتعضت أمي قائلة: “إنت معندكش إحساس..لازق لعمتك ليل نهار!” كانت عنيفة حتى أن أبي لاحظ، فقال لها: “وماله يا توحيدة؟ هو عند حد غريب؟ دي أختي” فردت بعنف “الواحد يكون خفيف!” وإمعانا في العند لم يكن يطيب لي الجلوس إلا هناك. بالداخل أم بالخارج؟ لا أستطيع أن أحدد سوى أنه كان السبت حين تأكد الافتراض من جانبها وأتى نداؤها ملتاعا وخبطت صدرها بكفيها: “أخوك حبيبك راح فين يا ابراهيم؟”. جبتُ الأزقة والشوارع بحثا عن أخي إلى أن عثرت عليه مع عبد المعطي حارس المياه تحت القنطرة يحملقان في المياه المندفعة أسفلها. وضعتُ يدي على كتفه، وسألته ماذا يفعل هنا، فالتفت مستغربا، وقال إن الدكتور بنداري سيمر من هنا، ولأنه لا يعلم إذا ما كان سيأتي بالسيارة أم بقارب في الفلفلة، فقد فتح الهويس مع عبد المعطي وساعده في رش الطريق بالماء ليخمد التراب. أخبرته أن أمي زمزم قلقة عليه، فهز رأسه ودخل كشك عبد المعطي حارس المياه. حاولت أن أتبعه إلى الداخل، لكنه أغلق الباب، حبست نفَسي ودفعتُ الباب بيدي وصدري، وهو يدفع من الداخل، حتى انتابني التعب واليأس والباب يتحرك بالكاد مرة باتجاهي ومرة باتجاهه، لكنه لا ينفتح، وبعد عدة ضغطات متوالية، ترك الباب فانفتح، فدخل الهواء إلى صدري دفعة واحدة، وحدقتُ في جوف الكشك فلم أجده، ووجدت شابين يهنئاني بفرح:

ـ حمد الله ع السلامة!

 الوجه كان لشابين لا أعرفهما، أمامهما وجهُ هرم يلومني: “طلّعت روحي .. ده كلام؟” أعدت التحديق بذهول بحثا عن باب كنت أحاول فتحه منذ قليل، فلم أجد سوى جدار، والرجل الهرم رفع يده عن صدري الذي كان يؤلمني وواصل اللوم بصوت مبحوح مشيرا إلى قدميه لأنني تركته سبع ساعات إلى جواري، وبدا قلبي كأنما رفعت عنه للتو قطعة ثلج، وبحثتُ عن باب كان يحول بيني وبين فتح الله، فوجدته مسدودا بجدار، وحين سألت عنه بنبرة اتهام، نزع الطاعن في السن قفازيه بغضب مستنكرا أن يتهمه أحد على آخر العمر بإخفاء باب:

ـ بدأنا في التخريف.. هاتوا الجزمة؟!

من بحة صوته الغاضب عرفت أنه الدكتور بنداري، فشعرت بعدم اللياقة، وقبل أن أعتذر، انتعل حذاءه وخرج مندفعا، فأسدلتُ جفنيّ مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *