أخبار عاجلة
الرئيسية / القصة القصيرة / ثلاث هدايا إلى سلمى .. حسام المقدم .. مصر

ثلاث هدايا إلى سلمى .. حسام المقدم .. مصر

إلى تلك الرضيعة، التي أصبحت تمسك في يدها 14 سنة بالتمام.

……….

 (1) ما لم تَقُله سلمى:

  حبيبتي سلمى في شهرها الثامن. كنا قد استقبلنا جُلوسها بمفردها في منتصف السادس. في البدء رُحنا، أنا وأمها، نُجلسها ونسندها بوسائد صغيرة تحوطها كسِياج طري. ومرّة فمرّة نزعنا الوسائد فاستقرت قاعدة، فاردة ساقيها أمامها ونحن نُصفق للصغيرة الحُلوة التي تُجرب الدرس الأول في الذاتيّة المُضنية. كانت تُدير رأسها بآلية نحونا في الحجرة، وتبتسم فتخرج ابتسامتها طبقات شفّافة من نور طازج. مع السِّنَّة الأولى في فَكِّها السُّفلي؛ تحولت الابتسامة في الفضم المُهندم الصغير إلى عالم متكامل ينتظمه التناسق، فيما تُرسل تلك النَّجمة البيضاء الوليدة سحرا يجذبُني لتَلمُسِها ببطن إصبعي، مُستمتعا بلدَغات ليِّنَة تترك إحساسا بطعم الليمون! في الفَكّ العُلوي انبثقت نجمة ثانية شكَّلتْ مع أُختها مِقصّا جميلا أصبح قادرا على ترك أثر رقيق في لحم أيدينا ووجوهنا.. تلك الوجوه التي تسعى سلمى دائما لاقتناص جِلدها كلما سنحت لها الفرصة!

  ها هي في ثامن شهورها، جالسة بثقة تُقلّب وتفحص لُعبتها الدائرية الحمراء التي تضرب موسيقى باللمس. بالمتابعة اكتشفتُ أنها ترميها بعيدا- ربما بعفوية- وتنحني بجِذعها للأمام، طارحةً إحدى ساقيها وراءها والأخرى مُلتوية تحتها. يحدث أن  تُصدر أنينا يَزرق له وجهها، وتتقلص ملامحها ببكاء فُجائي. أتابع ذلك وأُقدِّر أنّه الدرس الثاني: إنها تتعلم الحَبو. أُتمتمُ باسم الله الحارس المُعين. في كل مرّة تتصلّب وتُصمّم على الإتيان باللعبة التي انتَتَرت بعيدا عنها. أُقرِّبها إليها، فتُمسكها وتفحصها ثم تُلقيها من جديد! تكون النتيجة تكرار محاولة الانثناء والأنين وفرد الذراعين بأقصى المدى المُتاح. هكذا وأنا أُسائِلها: أتبكين يا مَكّارة لعدم الوصول للُعبة، أم لالتواء ساقك؟ رحتُ أُشجعها وأُصفّق: “هيا.. بينها وبين إصبعك سنتيمترات”. تتراجع مُتوجِّعة نافرة، ولا تلبث أن تميل وتتطلع بيديها نحو القُرص الأحمر. لا تَهابي شيئا يا صغيرتي. جَدُّكِ، صبَّحَه الله بكل خير، ألقى أباك في التّرعة، مباشرة ودون أي مُقدمات، ليتعلم العَوم. حتى وهو يغطس ويَقب، ويُشرف على الغَرق صاعدا هابطا، رافعا يديه في استغاثة، نافضا رأسه بهستيريا؛ اكتفى جَدُّكِ بتوجيهات المُدرِّبين: “اضرب بيديك مع رجليك، ادفع الماء، اعتمد على نفسك”. أبوكِ يومها شرب ماء يملأ برميلا، وجَدّك وضعه على الجِسر وضغطَ بطنه عِدّة مرّات. هيّا يا سلمى، لُعبتكِ على مسافة شَعرة، ها ها.. تكادين أن..

  وتبكي بعدما تفشل في الوصول. أقوم وأحملها على كتفي، جاعِلا لُعبتها في حضنها. أُطبطبُ على ظهرها برفق. تبدأ ملامحها في الانبساط، رغم الدموع الباقية في مكانها. أُحس أن هذا الكِيان الغَض الصامت يريد أن يُخبِر بالكثير. قلتُ لها وأنا أُداعب النَّجمتين المسنونتين: صحيح أن جَدّكِ، مثل معظم الآباء في تلك الأيام، فعلَها معي مرّات عديدة؛ إلا أنني، وعلى قَدر استطاعتي، لن أدعك تفعلين ذلك مرّة أخرى.

(مايو 2007.)

                       ** 

   (2) عندما تُلوّح سلمى بيدها الصغيرة:

  لا أدري كيف جاءت هذه العادة إلى سلمى، وهي التي دخلت إلى سَنَتِها الثانية منذ شهر تقريبا. كانت قد فارقت سَنَتها الأولى بمُكتسَبات عظيمة، كأن تُجاهِد في رفع نفسها، ثم الاستناد إلى شيء ما كالسَّرير مثلا والمشي بمُحاذاته. تقع وتُعاود مرّة أخرى وتقع.. إلى أن تمكنت من الخَطو المُتعثِّر ببضع نقلات مُتباطِئة. هذا إلى جانب أربعة أسنان مَجلُوّة في الأسفل ومِثلها في الأعلى، وحصيلة كُبرى من تكسير الأطباق والأكواب، وغَمس اليد في الطّعام كحركة استعراضية لا أكثر، لينتهي بها الحال شبيهة بمُهرّج مُلطَّخ الوجه. رأيتُ كل ذلك، وتعاطفتُ بشكل حميمي مع أمير شعرائنا “شوقي”، في مُناجاته الآسِرة لابنته “أمينة”، حين استقبلتْ –مثل سلمى- عامَها الثاني:

“أتدرينَ ما مَرَّ من حادثٍ

وما كان في السَّنَةِ الماضِيَة؟

وكم بُلْتِ في حُلَلٍ من حَريرٍ

وكم قد كَسَرتِ من الآنيَة؟

وكم سَهِرتْ في رضاكِ الجفونُ

وأَنتِ على غَضَبٍ غافِيَة؟”

  ومع أن سلمى لم تَبُلْ في الحرير؛ إلا أنها –مثل ابنة أمير الشعراء- لا تدري شيئا من أمر سَنَتِها الفائتة. لا تدري تلك الفَزعات المتقطعة التي تُحدثها في ليال طويلة، طالبة للرضاعة أو كمّادات الحُمّى من أُم ستصحو مبكرا كباقي الخَلق لتُباشر بيتها وتذهب إلى وظيفتها. لا تدري ما فعلته فينا بمُتتاليات الصُّراخ المتواصل، حين نرى وجهها في لون الباذنجانة، ونحتار في التشخيص: مَغص؟ عفريت أزرق؟ ربما أيضا لا تدري عادتها الجديدة التي تستقبل بها عامها الثاني..

  تراني تمددتُ على الفِراش وقت الظهيرة، فتحملها أمها للخروج، بينما تُصر هي على سحب مِقبض الباب بيد، والتلويح مُودِّعَة بالأخرى الصغيرة. تأتي حركات اليد المُتمايلة ببطء كأنها تُمَسِّد الهواء. أُجاوِبها بيدي لأُثبت أنني على اتصال مع ذلك العالم الصغير المخبوء. كنتُ أتساءل: كيف جاءت تلك الإشارة إليها؟ ولمَ تستعجل بدايات الوداع بهذه الصورة؟

  راح تفكيري إلى أن الإنسان ربما يكون، منذ مَهِده، مفطورا على تَقبُّل فكرة الوداع، بدءا من الخروج الأول،  حيث عالمه المُظلم الساكن والآمن، إلى عالم مُضيء بالبكاء والألم، مرورا بخروج أفقي إلى القُرى والمدن والشوارع ووجوه الناس؛ بحثا عن شيء ما يُكمل به جوهره الإنساني الباحث عن الاكتمال. في النهاية هناك الخروج الرأسي إلى الظلام والتراب والعودة إلى الأصل. تتعدد أشكال الخروج الذي يُرادف، بشكل ما، إشارة وداع متواصلة متجددة، لتتصل الرحلة في دائرة من رَحِم إلى رَحم. ولعل هذا ما عبّر عنه مولانا “جلال الدين الرومي”: “إلى السُّوق كُلنا جِئنا من أرحام أُمهاتنا، لنشتري غِطاء ثم نعود لقُبورنا”.

  تُلوِّح سلمى دائما تلويحات رقيقة تجعلني أذهب إلى عالم بعيد عن عالمها. أُفكر في أنني أكره إشارات الفراق وكلمات الوداع والنهايات رغم حقيقة وجودها الأبدي، وأتمسَّك باعتقادي أنّ “إلى اللقاء واصبحوا بخير”، بتعبير شاعرنا “أحمد عبدالمعطي حجازي”، هي كلمات أليمة تسرق الإنسان من الإنسان. رأيتُ أنه من المبكر جدا أن تأتي سلمى بإشارات التوديع، التي نفعلها عادة على أبواب البيوت، وفي المطارات والموانئ، وعلى أعتاب أماكن ربما لن نراها أو نرى مَنْ فيها. طاف بي حينها خاطر أن أُدربُها على أشياء أخرى: افتحي ذراعيك، هَروِلي نحوي في تعثر، عضي الأشياء، شدي شُعورنا.. افعلي كل ذلك، لكن انتظري ولا تستعجلي إشارات الوداع الجبرية؛ على الأقل وأنت صغيرة.

(نوفمبر 2007).

    **

  (3) إذا بَلغتْ سلمى الفِطام:

  تعجبتُ جدا حين سمعت الخبر: الأحد القادم، ستُفطَم سلمى! كُنا في يوم الجمعة، ورحت أُبعِد فكرة التهميش، أو عدم إشراكي في الأمر، وأُفكر على أن الموضوع لابد خدعة. كيف ستُفطَم بنت ليس لها في الدنيا إلا ثدي أمها حين الصحو، وساعة طلب النوم الذي يعز دائما، بل لا تكاد تأكل شيئا سوى حبات الأرز المسحوقة بالأصابع، والمغموسة أحيانا في خليط من شُوربة الخضار؟ أما مآثرها العظيمة فهي تلك الأكياس المنفوشة من الشيبسي وأنواع عديدة أخرى. يتبقى ذلك الجانب الاستعراضي بغمس الملعقة في الأطباق، والاستمتاع بإيقاعات ورنّات حادة دون أكل حقيقي.

  عدتُ من شرودي لأواجه أُمها: كيف؟ أجابت بأن البنت عمرها الآن سنة ونصف، وضربت أمثلة بأُخريات فَطَمنَ أولادهن في نفس السِّن، وربما قبل ذلك. ضربتُ كفّا بكفّ وأنا أُردد كالممسوس: سلمى ستُفطَم؟ هذه البنت التي كانت بالأمس تُجاهد لتقف على ساقين مُخلخلتين، حتى تحركت بصعوبة بضع خطوات، إلى أن تمكنت في النهاية من المشي وربما الهرولة الخفيفة. بالطبع تغيرت أشياء كثيرة؛ إلا لُزومها أُمها وصدر أمها. لا تنام أبدا إلا على الثّدي الذي يمنحها السائل الربّاني. فكّرتُ أن أنها ستُحرَم تلك الجلسة الهادئة قبل النوم في حِجر أمها، حين كانت تسندها بمرفقها إلى أعلى حيث الثدي والرضاعة على مَهل واستجمام، وهذه الطبطبة المُترفّقة على الظهر من اليد الأخرى، وتمايل الرأس والجسد بحركات تبدو لا إرادية. تستنيم سلمى على موسيقى هذه الجلسة، جلسة القرفصاء الشريفة التي تجلسها الأم في كل زمان ومكان، ويجلسها أيضا -منذ أزمنة بعيدة- الكاتب المصري القديم في تمثاله الشهير. ربما كانت ثمة علاقة بين الأمومة والكتابة!

  كالمغلوب على أمره، انتظرتُ حتى جاء الأحد. لكم فكّرتُ في هذا اليوم، وتصورته لصا سيخطف البنت ويفر بها بعيدا. لكنّ الأحد كان رفيقا بنا ومرَّ بسلام، خصوصا أن أمها شغلتها بأكداس من “النايتي” الطّري، وأطباق المهلبية والأرز باللبن. جاء الليل ونامت كأنها نسيتْ العام ونصف من الرضاعة والالتقام. في اليوم التالي كان موعدنا مع رجوع الذاكرة، لكنّه رجوع قاس ومرعب. ازرقَّ وجهها وتقلّص، وهي تصرخ وتدق صدر أمها بعنف. هيئتها ذكّرتني بالمُدمنين الذين يُعالَجون في حجرات مغلقة، حين يدقُّون الأبواب بوجوه مُتشنجة. قامت أمها بحملها وهدهدتها والدوران بها، فما كان منها إلا أن زعقت بالصراخ وتصليب الجسد. تتعب الأم، فتُنيم البنت على السرير. النتيجة هي التلوِّي كأن نارا تحتها. أحاول ان أهرب إلى النصائح والإرشادات المكتوبة، لأتلهَّى قليلا، أو أحصل على شيء ينفعني في تلك الساعات الرهيبة. تذكرتُ مقالا عن الفطام في مجلة عربية كبرى، كنتُ أنوي قراءته منذ مدة. بدأتُ: “اجعلي من لحظة الفطام لحظة سعيدة لطفلك”! عبرتُ الصفحة، فلا وقت الآن لمثل هذا الكلام المُستفز. عاودتُ القراءة: “بعض الأطفال يفطمون أنفسهم عند تسعة شهور، والآخرون عند سنة”. عرفتُ أن الكاتب يتحدث عن أطفال المريخ! وصلتُ إلى كلمات عن برنامج الغذاء في السنة الأولى قبل الفطام: “في الشهر العاشر يمكن للطفل مشاركة الأهل في الأكل، ومحاولة التدرج في فطامه”. رجعتُ للوراء قليلا وقرأت: “في الشهر الثامن: جبنة + شوربة + السمك مرة في الأسبوع + صفار البيض + مسحوق الحبوب + ..”. ما هذا بالله عليكم.. طوّحتُ هذا الكلام كله، وفكّرتُ كم تسرعت أمها في هذا القرار الذي جاء بلا ترتيب. كيف لم تحسب حسابا لمسألة التَّدَرج هذه؟!

  عدتُ من القراءة إلى الصراخ والتشنج. كانت أمها قد تركتها على السرير ووقفتْ تنظر ناحيتي! رأيت البنت المُتلوية المزرقة، وقلت إن شيئا أصابها، فهي لم تكف أبدا عن الصراخ المتواصل والتصلب وضرب كل ما يقابلها. كنا في حيرة كبرى أمام أول تجربة في الفطام. عادت الأم، بصبر تُحسَد عليه، لحملها والدوران بها في الحجرة. أتأمل هذا الوجه الصغير الذي غاب عنه الصفو والاستعداد للمُداعبة. أفكر في وقفتنا البائسة ويدور ذهني، كما تعوَّدَ في أشد المواقف عُسرا، إلى اجترار تلك النبوءة المُكابرة التي أعلنها شاعرنا “عمرو بن كُلثوم” منذ أيام الجاهلية:

“إذا بَلغَ الرضيعُ لنا فِطامًا

تَخِرُّ له الجبابرُ ساجِدينا”!

  يا للسخرية! أهكذا يا عمرو؟ تعال وانظر لتجد أنه لا جبابرة ولا “يحزنون”، سوانا تحت أقدام البنت المُتصلّبة المُتقلبة فوق الجَمر. ومما زاد الليلة الغامقة سوءا؛ ذلك السائل العازل من الصبّار في مُقدمة الثدي. إنه نفس الموضع الذي عاشت معه سلمى تستحلب تلك الراحة السائلة والنعيم العذب. كيف انقلبَ في لحظة إلى كل هذه المرارة؟ ها هو السماح يتحقق بعد الحرمان، لكنّه السماح المُر الكاذب. أطلقت الأم ثديها للبنت فانهالت تعبُّ بكل طاقتها، وفي ذات اللحظة كان لفظ الثدي وطرده، وعودة إلى الاحتقان والتشنج. آه لو كان لهؤلاء الأطفال ذاكرة في تلك الأوقات.. بالتأكيد لن ينسوا لأمهاتهم ذلك الفعل الشنيع ما عاشوا..

  كيف مرت تلك الليلة؟ كيف نامت البنت؟ بل كيف نعسنا نحن بعد هذه المُباراة؟ لقد مرت على كل حال، وصارت البنت لا تقرب ثدي أمها، (مَن كان يتخيل!) ربما بفعل النسيان، أو الاقتران بمعنى المرارة. مرت أيام، وأسابيع، وشغلني التفكُّر في الفطام وسنينه. أصبح مرادفا للقطع والفصل، بعد الاتصال وبداية الاكتمال.. ففي تَمَام العُمر فطام من الحياة، وفي تَمام النشوة فطام إلى العادي والمألوف، وفي تمام الامبراطوريّات فطامها إلى الهبوط والانهيار. من جديد مرّت شهور، ووجدتُني، للغَرابة، أرى الأمر بشكل مختلف. رحتُ أضحك على سلمى وهي تطلب الطعام وتمسك الملعقة بنفسها وتأكل معنا. لم أشأ أن أتذكر تفاصيل تلك الليلة الرهيبة، وفكّرتُ أن الفطام مرادف حقا للقطع والفصل، لكنّه مناسب جدا لممارسة تمام ذاتي واكتمال فردي من نوع آخر.

(مارس 2008).

                                              ………………………..

 

شاهد أيضاً

الخروج إلى الشرفة .. حنان عزيز .. مصر

… ثوان معدودة وتحلق بعيدا كما تتمنى دوما، حين ينفتح باب الشرفة على آخره، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *