الرئيسية / كتاب الشعلة / اليوبيل الذهبي لإنقاذ آثار النوبة الأجداد – الآباء – الأبناء .. نفين جابر .. مصر

اليوبيل الذهبي لإنقاذ آثار النوبة الأجداد – الآباء – الأبناء .. نفين جابر .. مصر

كتبت: نيفين جابر

معبد أبو سمبل هو أحد المعابد المزدوجة القائمة على الضفة الغربية لبحيرة ناصر. احدهما وهو الأكبر للملك رمسيس الثاني ويبرز في الواجهة أربعة تماثيل كبيرة للملك رمسيس الثاني والتي يصل طولها إلى 20 مترا وكانت التماثيل الضخمة منحوتة مباشرة من صخور الجبل الذي كان بداخله المعبد قبل نقله. والمعبد الآخر للملكة نفرتاري زوجة رمسيس الأكثر حباً إلى قلبه، ويقع على بُعد حوالى مائة متر إلى الشمال الشرقي من معبد رمسيس الثاني.

حين بدأت أعمال بناء السد العالي والتي كانت بحيرة ناصر الإصطناعية نتيجة لها، وجد معبد أبو سمبل نفسه مهددا من قِبل رمز حياة مصر وحضارتها (نهر النيل). حيث يرتفع منسوب الماء ليغمر معبدي أبو سمبل. المعبدين في ظل تلك الظروف كانوا عرضة للغرق لا محالة .. وكانت الاحتمالات المتاحة لإنقاذهما متمثلة في بيعهما أو التعامل معهما على أنهما من الآثار الغارقة وما يتبعه ذلك من تجهيزات لم تتوفر لها الامكانات في ذاك الوقت أو الإرتفاع بالمعبدين ونقلهما إلى أعلى الجبل.

في أثناء تلك الفترة كان إنقاذ المعبدين يمثل تحديا كبيرا ليس اقتصاديا فقط وإنما سياسيا أيضا. حيث تزامن ذلك مع رفض البنك الدولي تمويل بناء السد وما اتبعه من تأميم قناة السويس وما صاحب ذلك من توترات سياسية. كان تحديا عظيما أن يتم إقناع هذا العدد من الدول للمساهمة في إنقاذ آثار النوبة، وبخاصة معبدي أبو سمبل. لم تكن تلك هي كل التحديات التي كان على مصر وشعبها مجابهتها وإنما لا نغفل أيضا أهل النوبة الذين قاموا بالتخلي عن ذكراهم ومنازلهم وحياة بأكملها – الحد الذي دعا البعض بتسمية هذا التهجير بأنه قيامة لهم – كل هذه التضحية كانت من أجل مصر بأكملهاا، فتحية واجبة لأهل النوبة الكرام.

القصة تبدأ – كما يرويها المعماري حمدي السطوحي– في نوفمبر 1958، حيث عرض السفير الأمريكي ومدير متحف الميتروبوليتان على وزير الثقافة المصري ثروت عكاشه شراء بعض المعابد التي قد حُكِمَ عليها بالغرق. فما كان من الوزير المصري إلا أن رفض الطلب معلقا أنه كان يتوقع من مدير متحف الميتروبوليتان أن يعرض على مصر المساعدة في إنقاذ هذا التراث الإنساني.

يستكمل المعماري حمدي السطوحي القصة فيقول أن الوزير ثروت عكاشه انتقل في اليوم التالي إلى موقع معبد أبو سمبل حيث كان يقف عاجزا (هكذا عبر في مقدمة كتابه) لإن موازنة مصر لا تسمح إلا بتوثيق تلك المعابد لا إنقاذها، إلى أن توصل إلى جملة لليونيسكو (اليونيسكو تسهر على حماية التراث الإنساني). خاطبت مصر اليونيسكو في 1959، وفي مارس 1960 دعت اليونيسكو العالم كله لمساعدة مصر في الحفاظ على هذا التراث (نداء باريس).

جاء السيناريو الذي تقدم به الدكتور/ أحمد عثمان (أول عميد لكلية فنون جميلة في الاسكندرية)-  من أصل نوبي ومن مواليد الإسكندرية-  ليرد على السؤال الأصعب: كيف سيتم نقل معبد منحوت داخل الجبل؟ وكانت الإجابة تكمن في تقطيعه، ثم يتم نقل القطع وترميمها. 65 مترا لأعلى ثم 200 متر للخلف، هكذا تم الحفاظ على فكرة تعامد الشمس على وجه الملك في قدس الأقداس.

لم تكن تلك الإجابة الوحيدة آنذاك وإنما كان هناك (المشروع الإيطالي) وهو فكرة فك المعبد من ارتباطه بالجبل ثم رفعه بالكامل على رافعات هيدروليكية (ربع مليون طن من الحجارة) على 200 مرة. لكن تم رفض الفكرة لإحتمال ورود تعطل إحدى الماكينات في لحظة قد يودي بالمعبد بأكمله.

بدأ التنفيذ بتأمين بعض الوقت بإنشاء سد مؤقت لمنع المياه من الوصول إلى المعبدين. ثم كانت الخطوة الأولى في التنفيذ، وهي ازاحة الجبل من فوق رأس المعبد. الأمر الذي استدعى ردم المدخل بالرمال لحماية المعبد من التصدع في مرحلة إزالة الجبل من فوقه، وايضا قد تم استخدام هذه الرمال كسقالات للوصول بسهولة إلى رأس التمثال في مرحلة قطع رأس الملك رمسيس الثاني ونقلها كإحدى الخطوات الأولى في نقل المعبد والتي احدثت جلبة إعلامية كبيرة آنذاك في 10 اكتوبر 1965.

عملية التقطيع لم تكن بتلك السهولة بل كانت عملية دقيقة جدا وفي غاية الخطورة ليس فقط لعدم توافر الأمكانات من أدوات حديثة وآلات تتيح الأمر بسهولة بل كانت المسألة الأخطر هي المحافظة على المعبد وإعادته ثانية، إلا أن العمال المصريين المهرة لا يمكن أن نغفل دورهم الهائل. ففي حين أن الماكينة التي تم استخدامها في تقطيع الجبل الذي يعلو المعبد كانت من إنشاء شركة إيطالية لا زالت تحتفظ بها حتى الآن في مدخل الشركة إحتفائا بدورهم في هذا المنجز العظيم، إلا أن المعبد بأكمله قد تم تقطيعه بمناشير يدوية. حرص على تطويرها العمال المصريين المهرة. يروي المعماري حمدي السطوحي أن المنشار الذي تم به قطع وجه تمثال الملك رمسيس الثاني سُميَّ (حسن) تيمنا بإسم العامل الماهر الذي كان لإضافاته الفضل في تطوير المنشار بالشكل الذي أصبح عليه. أيضا كان المفترض في العقد ألا يزيد يكون سمك التقطيع عن 6 مللي إلا أن العمال المصريين المهرة قاموا بالتقطيع بسمك لا يتعدى ال 4 مللي. 2000 مصري كان لهم دور عظيم في هذا الإنجاز التاريخي.

بدأ انقاذ معابد أبو سمبل في عام 1964،واستغرق حوالي 4 سنوات (1964- 1968)، تم فيها نقل المعبد وتركيبه بالكامل في صورة شبيهة لصورته الأصلية، والذي تكون من 5000 قطعة، تزن ربع مليون طن من الحجارة. هذا فضلا عن ثلث مليون طن هي وزن الجبل فوق المعبد. تلك الأرقام التي تصيبنا بالدهشة الآن لنا أن نتخيل وقعها في ذاك الوقت. تم إعادة افتتاح المعبدين فى 22 سبتمبر 1968، وتكلفت هذه العملية 40 مليون دولار ، كانت نصيب مصر منها ما يقارب الثلث (في دلالة للقوة الشرائية للجنيه المصري آنذاك والذي لا زال يحمل صورة المعبد).

حين قرر ثروت عكاشه توثيق التراث الإنساني في عام 1963 لم يرسل فقط مهندسين لرفع رسومات هندسية وإنما ارسل أيضا فنانيين لتوثيق الحالة منهم الرسام حسين بيكار والذي أرخ لهذا التراث بلوحاته الرائعة 80 لوحة وآلاف الاسكيتشات، والتي تم توثيقها من قِبَل مخرج إيطالي (جون فيني) في فيلم تسجيلي اسماه (العجيبة الثامنة)، تم التأريخ أيضا للمعبد بموسيقى الموسيقار عزيز الشوان الذي ألف (سيمفونية أبو سمبل).

“لماذا لا  نعطي المستحيل فرصة كي يصبح ممكنا.. أو أملا” تلك العبارة لثروت عكاشة هي بمثابة رسالة لنا جميعا اليوم، تحثنا نحن الأبناء أن نكمل مسيرة الأجداد والآباء. ومن هذا المنطلق، واحتفالا بمرور خمسون عاما على هذا الإعجاز التاريخي (إنقاذ آثار أبو سمبل) تم إطلاق (حملة أبو سمبل 50) في نوفمبر 2014 والتي تهدف إلى نشر المعرفة في الأساس بكل تلك الأسماء والأدوار الفعالة للمصريين و”توثيق الإعجاز داخل جسم الاعجاز” – على حد قول المعماري حسن السطوحي – بإقامة متحف داخل القبة الخرسانية (المعجزة التي تحاكي الجبل الأصلي وهي عبارة عن كتلة هائلة من الحديد والخرسانة علي شكل نصف دائرة تم بنائها للتمكين من إعادة وضع الحجارة فوق المعبد لتحافظ على شكله الأصلي) وإقامة مركز دراسات في مدينة أبو سمبل يعمل على إنقاذ الآثار الغارقة لإن هناك بعض الآثار التي لم يتم إنقاذها بعد.

كما كان بناء معبدى أبو سمبل تعزيزاً للسيادة المصرية وتخليداً للنصر على الحيثيين في قادش، كانت عملية نقلهما نصرا جديدا للمصريين وتحديا جديدا ليس فقط للعقول المصرية وإنما أيضا للسواعد المصرية التي عملت بفن وبراعة متناهية لتثبت مقولة الخبراء الألمان ” إنها نفس الوجوه السمراء التي بنت المعابد هي التي تعود لترميمها”.

موسيقى عزيز الشوان
https://www.youtube.com/watch?v=MmXy9crK_j4

محاولة لمحاكاة الفيلم التسجيلي والذي اختفت نسخته الأصلية
https://www.youtube.com/watch?v=GBpgH2IQ6dg

معظم المعلومات التي تم ذكرها من محاضرة للمعماري حمدي السطوحي بمناسبة ذكرى مرور خمسون عاما على إنقاذ آثار النوبة.

شاهد أيضاً

المشهد الثقافي بين المعروض و المفروض .. عصام بدر

  إن المتابع للحركة الثقافية في الوقت الراهن سيلمح بنظرة عابرة هذا التخبط الواضح فيما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *