أخبار عاجلة
الرئيسية / القصة القصيرة / الرواية الأخيرة .. فتحي اسماعيل .. مصر

الرواية الأخيرة .. فتحي اسماعيل .. مصر

15825879_10154600727446141_5739572075559035978_n

يتأمل على ضوء مصباح خافت خطوط كفه .. ليته يستطيع أن يقرأ مستقبله.. أو حتى ماضيه لعله يعرف السبب الذي ألقى به في تلك الزنزانة.. لم يقتل.. و لم يسرق.. و رغم أنه لا يمتلك سيارة ..ولا دراجة بخارية؛ لكنه أبدًا لم يخالف إشارات المرور؛ لم يعبس في وجه أحد، ولا يحتك بأوساط المثقفين و لا يشارك في ندواتهم حتى التي تقام لتكريمه أو الاحتفاء به، لا يركب المواصلات العامة ولا يجلس على المقاهي، يبتعد تمامًا عن أي تجمعات.

كان صادقًا جدًا عندما هز رأسه الأشعث بالنفي وهو مكبل الذراعين بواسطة رجلين ضخمين بارزي الصدر عملاقي الرأس، حين سألته زوجته وهي تلملم ما بعثره الرجال الآخرون:

– كتبت قلة أدب تاني ؟

همس لنفسه “هي كانت مرّة ولم أسلم”

 من وجهة نظرها قصص الحب قلة أدب والجنس ذنب لا يغتفر، فتوخى السلامة وكفّ عن ركوب الخطر.

لم يعد يكتب عن الفقراء والمهمشين ومحدوي الدخل والمعدمين فقد كان ابن البواب قارئًا جيدًا ولم يشأ أن يضايقه بجملة هنا أو أخرى هناك.. تأكد له ذلك حين أخبره أن قصة “البؤساء” التي أهداها له .. أحزنته جدًا.

ابتعد عن كل المواضيع التي تؤرّق زوجته وجيرانه، ورجال الدين .. والدولة.. والمال،  نأى بقلمه إلى جزر لم تخلق في بحار لم تُعرَف .. اخترع أزمنة لن تأتي .. ومخلوقات لا تنطق .. كتب عن مجهول لا يشبه معلومًا لدى الناس .. ولا لديه، لذا صنع شهرته وذاع اسمه، و لم يجد مانعًا أحيانًا  من الكتابة عن ملاك هنا  أوشيطان هناك.

ترك لدموع العجز أن تنساب على أخاديد كفه، الذي لم يفصح عن سرّ الماضي، ولا كينونة الآتي، أعجزه البحث عن خطأ أو ذلة تعمّدها أو اقترفها عن خطأ أو جهل بالقانون.

مسح بكفه العاجز عن التفسير ما تبقى من دموع على وجهه وهو ينظر إلى كوة أعلى سقف الزنزانة، مرّت ساعات أطول من أسابيع و أيام أطول من سنين، و عقله الذي كان يخلق ممالك وبحار وسهول و وديان و عوالم تساع خلق الله منذ النشأة حتى النفخ، عاجز عن إدراك ما وراء هذا الباب الذي يدخل منه الحارس بوجبة الطعام، ويغلقه ثانية دون كلمة واحدة.. عاجز عن ايجاد إجابة لسؤاله : ” ماذا جنيت؟”.

لم تكف يد الحيرة سطوتها، ولم ترتح دموع عينيه في مكمنها حتى وهم يصطحبونه صباح يوم ما – لم يعد يذكر عدده في أيام السجن – عبر طرقات كاحلة وجدران رمادية تخنق المساحة الخالية فيما بينها.. يرتقون به درجات سلّم حديدي .. كان وقع خطوات الحراس عليه أشبه بمقارع تضرب رأسه، بل تدق بلا رحمة رخاوة ما تحت عظام الجمجمة ..

دقتان وينتهي كل شيء هكذا حدث نفسه وهو يقف متهالك القوى أمام الباب الذي يطرقه الحارس، فالتحقيق سيفضي إلى خطأ ما حتمًا .

  • أهلا بالكاتب الكبير

استقبله المحقق بصوت هاديء لا ينبيء عن وعيد .. أنهى جملته مع إشارة للحارس بالانصراف .. ثم تناول هاتفه المحمول، وضغط بضعة أزرار قبل أن يضعه على أذنه، كان يتحدث إلى رتبة أعلى،  بدا ذلك من محياه المرتبك وهزات راسه المؤمنِة على ما يقوله الطرف الآخر .. لم يسمع الواقف أمامه غارقًا في حيرته إلا بضع كلمات ” تمام .. أكيد .. لا تقلق .. نعم أحضرته .. هو أمامي الآن .. اطمئن”.. أنهى مكالمته  ثم القى الهاتف على المكتب أمامه كمن يلقي عن كاهله حملًا ثقيلًا ثم ضحك، كانت كنقطة ماء في صحراء قاحلة، بللت بعضًا من جفاف الحلق، أعقبها بدعوته للجلوس، وكأنه لم ينتبه إلى وقوفه إلا الآن.

  • هيييييييييه .. الإنسان نمرود، لا تأمنه .. أخطر من تلك الوحوش الخطيرة التي تكتب عنها.
  • أنا لم…

خرج صوته واهنًا متسائلًا وكأنه يختبر الكلام للمرة الأولى، ولكن المحقق استوقفه بإشارة من يده وهو يشب فوق كرسيه ويميل بجذعه على المكتب ويقترب بوجهه:

  • أنت ماذا يا كاتب .. يا مشهور .. تركناك تكتب وتنشر وتبيع، وتهنأ في نعيم الشهرة والمجد، وأنت؟ أنت استمرأت الصعود.. و استهوتك متعة تحريك الدمي واللعب بأقدار المخاليق.
  • سيدي أنا لم أقرب أي..
  • لم تقرب ماذا؟ ها قل .. هل تعتقد أننا نائمون ؟ سفهاء؟ لا عقول لدينا كعقلك.
  • قل لي .. أين .. كيف .. ومتى ؟ أعني، لا أذكر.

كان المحقق قد وقف وهو يحرك ذراعيه في الهواء بعصبية، بينما يخرج صوته غاضبًا  هادرًا:

  • يا رجل تذكر ماذا؟.. كل مؤلفاتك لم تشف ولعك بكونك الآمر الناهي، تحيي هذا وتميت ذاك..

ثم يقترب منه ويقف فوق رأسه مباشرة، ويكمل بصوت هاديء ناعم:

  • ونحن تركناك .. وضحكنا معك على المهابيل الذين يشترون كتبك، بل وقهقنا وشكرنا لك، وذكرناكك فيما بيننا بالخير

يتململ محاولًا الكلام .. ولكن المحقق يدور بسرعة خاطفة ويضع وجهه  مقابل وجهه مباشرة، وهو يضع سبابته على شفتيه رأسيًا (اصمت)

  • اشششششششش .. لن تقول ثانية فقد قلت وكتبت و ..كتبت، هل آذاك أحد منا؟ أبدًا

هل منعنا كتابًا واحدًا، ابدًا.

ثم يعلو صوته في حدة:

  • لكن تجاوزك وتطاولك لم يعرفا حدود.

يعود المحقق إلى مقعده و يلقي بجسده عليه .. يشرئب بعنقه ويلويه لينظر من النافذة التي تعلوه ..لحظات من الصمت لا يقطعها سوى صوت أنفاس المحقق، بينما الكاتب يجلس متكومًا، وقد تعملقت حيرته، وهو يغمض عينيه ويفتحهما .. يعتصر ذهنه، لعله يتذكرالكتاب أو الجملة مكمن المأساة التي يعيشها الآن والتي حاذر منها وحاول تجنبها طوال حياته..

تطول فترة الصمت، يجدها الكاتب فرصة  ليستجمع ما تبقى له من قوة ورغبة في الخلاص من هذا الكابوس

  • أخبرني يا ولدي .. متى ؟ في أي كتاب؟ في من أخطأت؟
  • هههههههههه .. ههههههههه

يضحك المحقق فجأة ثم يصمت ويعود للضحك ثانية .. كادت الحيرة التي ركبها الحنق قد تملكت من الكاتب، وبدت على وجهه علامات سخط وغضب واستجداء.

  • آه يا شعب .. قل لي يا كاتبنا العظيم آخر مؤلفاتك عن ماذا؟

أنارت الدنيا في عين و عقل الكاتب، ودبّ الأمل في قلبه .. فلا شيء في تلك الرواية يمكنه أن يدينه، هو متأكد من ذلك، لذا كانت إجابته سريعة.

  • عن كوكب بعيد في مجرة بعيدة، يحكمه ابن الشيطان .. نعم …نعم .
  • ثم .. أكمل .. ماذا فعل ابن الشيطان وكيف انهيت كتابك؟
  • فعل كل الشرور كما يليق بابن شيطان يا سيدي حتى ضاق سكان الكوكب وفاض بهم الكيل  ثم .. ثم ..
  • قتلت ابن الشيطان إذن ؟ الدنيا قائمة ..
  • أي جرم ارتكبت؟

تبرق عينا المحقق وهو يقول بصوت لاهث:

  • يا عزيزي الكاتب النبيه، لا تدري في أي هوّة أوقعت نفسك؟

مادت الأرض تحت قدمي الكاتب، و غاص عقله في ظلمة دامسة، تعلق قلبه برجاء الخلاص.

……………

شاهد أيضاً

زيارات ليلية .. حنان عزيز .. مصر

… وكما تنتظره كل مرة فى موعد عودته، ظلت واقفة حتى وضع المفتاح في الباب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *