الرئيسية / القصة القصيرة / الخروج إلى الشرفة .. حنان عزيز .. مصر

الخروج إلى الشرفة .. حنان عزيز .. مصر

ثوان معدودة وتحلق بعيدا كما تتمنى دوما، حين ينفتح باب الشرفة على آخره، وهو يلاحقها كثور هائج، لتلقى بنفسها، لعلها تشعر وهي محلقة في الفراغ بالخفة، كأنها ريشة في الهواء، وتتذكر كيف كانت منذ قليل تسير في الشارع خفيفة كغزالة، وأمارات الافتتان في العيون، وخلايا جسمها تشعر بالهواء يتخلله ويلامسه، كيف كانت تسير مختالة، دون أي شعور بالنقص، تتأمل ملامحها وقوامها الجميل في زجاج المحلات، يساعدها حذاء رياضي روز مع الجينز في القفز على الأرصفة وتخطى المسافات كأنها ذاهبة إلى أوليمبياد، والحقيبة المعلقة في ظهرها تذكرها بأيام الجامعة، امرأة في الثامنة والثلاثين، لديها ولدان، وما زالت رشيقة القوام، تتحرك بحيوية كأنها مقبلة على الحياة، وقد انطلقت في الشوارع الخالية، يراودها هاجس بالجري، كما تحلم باختراق ضاحية.

 الخطوات التي قطعتها في الطرقة الموصلة إلى الشرفة كانت سريعة، وكلاهما يتسابقان، هو ليجذبها من الخلف، وهي للإفلات من يده والوصول إلى باب الشرفة، ستلوذ بها وتصرخ، الشرفة التي جربت الوقوف فيها دون علمه، تدفعها وتخرج، وهو يتعثر خلفها، لو نظرت إلى ملامحه المتجهمة لماتت من الرعب، يقسم أن يقتلها ولن يدري بها أحد، مجنون ويعملها، صورتها وهي تجري في الطرقة بالمرآة الجانبية، تشعر بالخفة، لأول مرة تسبقه، كانت تسير من قبل إلى جواره في خضوع، معلقة في ذراعه، تتعثر في ملابسها السابغة وتوشك أن تنكفئ.

أيهما الذي فاجأ الآخر، هي بالبلوزة القطن بلا أكمام والشعر المنسدل والصدر الصغير تحت البلوزة القطنية، بذراعيها الرقيقين، الفاتنين يطلان من كتف البلوزة، وعنقها الأبيض العاري، وهي تواصل الصعود على السلم أم هو بسرواله القطني وجلبابه القصير والذي كان يتابع امرأة تصعد السلم بخفة،  فيما يصعد السلم بأناة كأنه يتفقد الدرجات، وهو يدس عينيه في ظهرها، ستكون المرة الأولى التي تخرج إلى الشرفة في وجوده هكذا من دون إسدال، هي الآن تحلق، كفراشة، لم تشعر بضربه لها، ولا بهياجه، فقط رأت للحظة أن الشرفة بالبيت كله، وأن خروجها إلى الشرفة هكذا أمر في غاية الروعة.

باب الشقة الذي ما إن أغلقته خلفها منتشية ما لبث أن انفتح، كلاهما انتابته الصدمة، كلاهما بحلق في الآخر من الدهشة، حتى صفق الباب من الخلف، وانقض عليها، فانطلقت من الرعب باتجاه الشرفة، جذبها من شعرها فدارت إلى الخلف وسقطت ليبرك فوقها كبعير ويهددها بالذبح، الذعر في عينيها يؤكد أنها لم تعلم أنه الذي كان يصعد الدرج من الخلف، فموعد عودته كان في الغد، لم تنتبه إلى وقع أقدامه على الدرج، ولا إلى خواره الذي تعرفه، والسويعات المتبقية قبل مجيئه كانت آخر فرصة لها لتعُبَّ من الحياة قبل أن يكتم أنفاسها، تلك عادتها التي صارت تلجأ إليها في غيابه، تنزل إلى الشارع كامرأة عصرية، خفيفة ورشيقه، تتمشى في الشوارع، وتشتري لوازم البيت، وتجلس إلى المقهى، سعادات صغيرة تجنيها من المرور وسط المدينة وهي تشعر بالندية مع كل الفتيات والنساء المارات في الشارع، الصفارة التي سمعتها كانت منه من المؤكد وهي تعبر بجواره بالدراجة، فالشارع الطويل كان خاليا إلا من رجل بسروال قطني وجلباب قصير، وكانت تعُبُّ من مسرات الحياة كأنها تنتقم قبل أسبوع السجن الذي سيبدأ في الغد، لكم اعتبرت إجازاته التي يمضيها في البيت سجنها، فاعتادت أن تلبس الإسدال، وتسير إلى جواره أو بالخلف قليلا، ملتزمة بإيقاعه البطيء في السير، مخبأة الوجه تماما، في خط سير معلوم، لا يناديها إلا باسم الولد الأكبر، فتلتفت، اعتادت على أيام السجن، أسبوعان في عمله في الموقع وأسبوع في البيت تتحمله كسجن، ينتهكها  ليلا ونهارا حتى كرهت الجنس، وكرهت اسم ابنها الأكبر الذي ألصقه بها، فصارت لا تلتفت إذا نطق أحد باسمها الحقيقي، هذا أفضل الحلول، عصر اليوم الأخير قبل مجيئه خرجت إلى الشارع، وجربت أن تستأجر دراجة، وتنطلق في الشارع الطويل، على رأسها طاقية حمراء، وحول رقبتها وشاح، وعلى عينيها نظارة شمس، كانت في غاية السعادة وهي تنطلق إلى الأمام، وتتموج بالدراجة يمينا ويسارا، وتطلق الصفارات بفمها، وشعرها الجميل يأخذه الهواء للخلف، حين تركت مقود الدراجة ورفعت ذراعيها في الهواء جاءتها صفارة إعجاب من الخلف، لم تلتفت، فانطلقت آه غريبة فيها ثناء وغزل، استمرت في السير، وعند محل الدراجات أوقفت الدراجة وسارت باتجاه البيت، منذ بدأت في الخروج وهي تشعر بإقبال غريب على الحياة، اقتنت عصفورين ووضعتهما في قفص في الشرفة، تركت لهما باب القفص مفتوحا، فخرجا، ووقفا على حافة الشرفة، يتطلعان إلى السماء ثم يلتقطا الحبوب من أرض الشرفة وقبل الغروب يعودان إلى القفص، مع موعد قدومه في الغد، ستعد نفسها لأسبوع من السجن، فتغلق الشرفة تماما، وتسدل الستائر، وتختلس الوقت لتلقي الحبوب للعصافير، هو لا يعلم أصلا بأمر العصافير، ولم ينتبه إلى تغريدها المستمر والقادم من الشرفة، تلقى الحبوب في أرضية الشرفة دون أن يشعر، فتخرج العصافير من قفصها المفتوح لتلتقط الحب وتعود، وستستمع طوال أسبوع إلى نصائحه عن غدر الرجال وتحرشهم بالنساء، لم يكن كذلك أيام الجامعة، كان يحبها، لكنه بمرور الوقت، كان يريد أن يكفنها، قالت له إنها لا تحب السواد، تشعر بأنها مخنوقة، تريد أن تتنفس، فأخبرها أن كنوزها ثمينة ولا يجب أن تكون متاحة هكذا للعابرين، بعد أسبوع السجن، ستخرج إلى الشوارع وتجلس في كافيه، وتطلب شيشة تفاح، تمتص دخانها بسعادة ثم تطلقه في الهواء وتتأمل، كيف كان لها أن تتحمل هذا الوضع لأربعة عشر عاما، وكيف تنازلت عن وظيفتها كمهندسة، وتركت نفسها أسيرة له، حتى تكبلت بمرور الوقت بالحمل والإنجاب والحضانة والمدرسة، متى أفاقت من هذا الكابوس وقررت الوصول إلى حل بينما يسد أمامها كل الطرق، فلم يبق أمامها سوى الحل الأخير، أن تتحرر لأسبوعين وتسجن لأسبوع، تلك هي الصيغة المتاحة حتى هذه اللحظة، الثلث والثلثان، صيغة مقبولة توصلت إليها دون أن يعلم، سيأتي غدا، لتدخل بمحض إرادتها إلى السجن، فلا تفتح الشرفة، ولا تطعم العصافير، ولا تجذب الستارة حتى عن المرآة التي في الطرقة وتظل حبيسة بين المطبخ وغرفة النوم والحمام.

لا بد أن المرآة التي كانت مكشوفة، ولم تلحق أن تغطيها بالستارة مع قدومه المبكر لأربع وعشرين ساعة دون أن يخبرها عكست منظرها وهي تنطلق في الطرقة، بعد أن حاول خنقها بالوشاح، ثم وهي تنجح في النهوض وهو يهرول خلفها، حتى اصطدمت بباب الشرفة، فانفتحت، وطارت العصافير في السماء فيما يلاحقها حتى حافة الشرفة، لتحلق في الهواء من الطابق السابع امرأة في الثامنة والثلاثين، ببلوزة قطنية بيضاء بلا أكمام وشعر منسدل في الهواء وبنطلون جينز وحذاء رياضي ووشاح حول الرقبة كان يحاول أن يخنقها به دون أن تعلم ربما أنه هو نفس الشخص الذي كان يصفر وهي في الطريق بالدراجة تسير رافعة ذراعيها في الهواء.

…………………….

شاهد أيضاً

زيارات ليلية .. حنان عزيز .. مصر

… وكما تنتظره كل مرة فى موعد عودته، ظلت واقفة حتى وضع المفتاح في الباب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *