الرئيسية / نقد / الاستسلام للخداع والهزيمة .. قراءة نقدية في رواية “حبيبتى مروة” لـ”نصر عبد الرحمن” بقلم فكري عمر

الاستسلام للخداع والهزيمة .. قراءة نقدية في رواية “حبيبتى مروة” لـ”نصر عبد الرحمن” بقلم فكري عمر

يعيش أصحاب الأسئلة الوجودية حالة من القلق المزمن، وإحساس بأن الحياة نفسها بلا جدوى إلى أن يجيء الحب. حينها يضيء العالم بنور وهَّاج، وترى العين ما وراء العلاقة بين الوجود والموجودات من صلات وأفكار، وتطمئن النفس قليلًا لتصير مثل نبتة صبَّار حصلت لتوِّها على قطرات ماء من باطن الرمال الجافة. لن تتوقف الأسئلة مرة واحدة طبعًا بوجود الحب، لكنها ستهدأ قليلًا، ثم تعيد التشكل بأساليب جديدة.
بهذه القناعة خرجت من رواية “حبيبتى مروة” لـ”نصر عبد الرحمن”، الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة فى مائة وعشرين صفحة من القطع المتوسط فى عام 2012م، وبقناعة أخرى أيضًا: أنَّ هذه الرواية هى تتمة خط سردى متصل، ومتكامل بدأه “نصر” برواية “والنار”، و”قبلة النهايات السعيدة”، ثم أكمله بـ”حبيبتى مروة”.
رغم أن الكاتب لم يُعمِّد رواياته الثلاث بالثلاثية، أو ما يعنى ارتباطهم معًا تحت اسم ومشروع واحد بأسماء فرعية مختلفة، ورغم اختلاف الزمان والمكان وبعض الشخصيات فى كل واحدة منهم، وطباعتهم على فترات متفاوتة إلَّا أن ما جعلنى أضمُّهم معًا فى عقد واحد هو شخصية البطل التى تحمل نفس السمات: المثقف الجامعى. المُحبط. الباحث عن العمل، وعن المنطق والعدل فى هذا الواقع المضطرب من بداية تسعينيات القرن الماضى إلى السنوات الأولى من الألفية الجديدة بعد سقوط المقولات والأيدلوجيات الكبرى، وحدوث ما كان يُعدُّ فى إطار المستحيلات.
يتكئ البطل أيضًا على ضمير المتكلم فى الروايات الثلاث. يُقدم لنا حكاياته، ورؤاه دون أن يُعلن عن اسمه سوى فى رواية “والنار” فقط وهو بالمناسبة نفس اسم الروائى. ولغياب اسم البطل – الراوى الذاتى دلالة: إنه لا ينقل لنا عالمه بشكل حميمى فقط لنعيش أحلامه وأزماته فقط، بل ينقل لنا عالم جيل كامل وُلد وكَبُر وعيه بين ضفتى حدثين كبيرين كانا سببًا فى تحولات المنطقة العربية كلها. الأول هو غزو العراق للكويت فى الثانى من أغسطس 1990م، ثم التحرير. أما الثانى فهو الحصار الأمريكى على العراق تمهيدًا لاحتلالها فى عام 2003م ممزقًا الوطن الكبير إلى دوائر هامشية عالميًا، ومتصارعة على مصالح وخلافات مذهبية كبيرة.
لسنا بالمناسبة أمام روايات سياسية، أو رمزية، بل أمام رواية واقعية اجتماعيه. ثرية بالمعانى. ينقل لنا الروائى تجربته الإنسانية الخاصة بأبعادها الثلاث: الاجتماعية والنفسية والسياسية، وتجربة جيله كلها فى قالب روائى متسق. لغته محددة. حكاياته تواجهنا ليل نهار فى الشارع، والمقهى، والأعمال الهامشية.
وإذا كانت رواية “حبيبتى مروة” هى محل القراءة النقدية الآن، فتحليلها يعتمد على تحليل التقنيات التى اعتمدها الروائى لتشييد عمله الفنى بعناصره المتعددة والمتضافرة لإنتاج المعنى والدلالة، وهى:
1- توليد المعانى الكبيرة من حكايات بسيطة، فالحكايات هنا تُعدُّ وسيلة وغاية. ما أكثر ارتباطها بالمعنى الذى يقوله “خوان خوسيه مياس” فى روايته “العالم” بأن الكتابة كالمشرط الطبى الكهربائى الذى يفتح الجرح ويداويه فى الوقت نفسه!
يأخذ “نصر” بأيدينا إلى عمق المتاهة التى يعيشها البطل سواء بما عاشه، أو بما حكاه الآخرون له. هناك مثلًا حكاية فى القرية عن رجل قُتل ليلًا فى حقل من حقولها. يقال إن أحدهم كان قد حذَّر الرجل، لكنه لم يأبه للتحذير. كأنه يرغب فى الخلاص من حياته بهذا الموت الذى يتربص به. هذه الحكاية يربطها الكاتب ببطل روايته حين فارق حبيبته “مروة”، لأن هذا القرار كان كامنًا فى قلبه من البداية حينما يعترف بذلك فى ص109: “مسارات غامضة تتبعها الأجساد الحية فى سبيلها إلى الخلاص. المواجهة والهرب مساران متعارضان أم مسار واحد؟”.
الحكاية الثانية من حياة البطل نفسه الذى عمل لبعض الوقت بائعًا للأقمشة فى محل تاجر كبير. قال له زميله فى المحل: “الزبون لا بد أن يخرج مسرورًا وهو يعتقد أنه غلب التاجر بينما العكس هو ما يحدث بالضبط”. حينئذ يقوم الراوى بإسقاط هذه الجملة على الواقع كله فى ص89: “السائق يخرج يده مطوية على ربع جنيه يناوله لعسكرى المرور فى لمحة خاطفة أمام عيني. الكل ينتصر.. البائع والمشترى، السائق والركاب، وعسكرى المرور. كان الفهد فى التليفزيون يطارد غزالة بعد أن قتلها وتركها لحظة، ليلتقط أنفاسه ويتأمل بارتباك نظرة الرضا والتسليم فى عينيها المفتوحتين. كأنها صبارة حصلت لتوها على قطرة”. لا تشعر الغزالة بشىء بعد موتها، لكنها رؤية الكاتب لحالة الخلاص التى تبتغيها الكائنات كلها بالاستسلام للخداع، والموت.
2- الحكى الدائرى، وتداخل الأزمنة: تناولت الفقرة الأولى قصة حب البطل لـ”مروة”، والفقرة الأخيرة تذكر موقفًا تطالبه فيه الحبيبة أن لا يتركها أبدًا، وبين إطاري البداية والنهاية انهارت الأحلام، وافترق الحبيبان، وخبرنا كثيرًا عن طفولة البطل ومراهقته، وأمانيه من خلال حكايات فرعية تتصل بالحكاية الرئيسة. هذا الإطار الدائرى للحكاية يشبه الدوران حول نقطة دون خطوة إلى لأمام.. حالة عود أبدى إلى المربع الأول.
3- رسم الشخصية الروائية من خلال مواقف وإشارات صغيرة ونثرها فى الصفحات والفصول.
4- توظيف الحكاية الشعبية للدلالة على حالة اتصال المصائر بين الماضى والحاضر: استمع البطل وهو فى المرحلة الثانوية إلى قصة مُذاعة فى الراديو عن مجموعة بحارة تعصف الرياح بأحلامهم. يصيحون طلبًا للنجاة من الأمواج التى تقتلع حياتهم فى ليل دامس الظلمة. فجأة تنقطع الكهرباء، وتنطفئ أصوات الحكاية المُذاعة فيستكملها الراوى بنفسه. يحلم أنه كان واحدًا من ركاب السفينة وقد أُنقذ من الغرق. وصل إلى جزيرة بها كل شىء. تمنى أن يلتقى فقط بفتاة واحدة ليبدآ معًا بداية جديدة.
هو نفسه تمنى أن يمتلك الفقراء ذات يوم هاتفًا ذكيًا عبارة عن شريحة توضع فى المخ ليعيش كل منهم مع من يحبه فى عالم افتراضى ملون وسعيد.
4- المناجاة وامتزاج الواقع بالحلم: يميل الراوى عبر فصول الرواية إلى البوح؛ فذلك يناسب رغبته فى كسر العزلة النفسية التى يعيشها، ومساءلة الواقع، واختبار المشاعر التى قلبت كيانه. يريد أن يُفسر كل ما حوله ليضعه فى أنساقٍ بسيطةٍ يسهل التعامل معها، أو إزاحتها عن الذاكرة بعد ذلك للتخلص من الألم. فى ص23 نقرأ” “أنتِ رغبتى الوحيدة وحلمى المتكرر. ذاكرتى بيضاء كالثلج.. خاوية كالصحراء. أنتِ العلامة الوحيدة بها. بدونك أدخل المتاهة، ويتسلل الرعب إلى قلبى إذ يتملكنى الخواء، فأرتد مرة أخرى إلى داخلى. لن تدركى بشاعة ما بداخلى من فوضى وظلام وأشباح مهما وصفت لكِ”.
يبدو الحُلم حاضرًا بشقيه، فى اليقظة، أوفى المنام؛ ليتخللا حالات البوح والمناجاة الذاتية كنوع من التفسير الغيبى لمصير البطل المأزوم فى النهاية. كأننا إزاء بطل ملحمى لم ينله من البطولة سوى جانبها المأساوى لأنه لم يبادر بفعل ما بل كانت تصرفاته وقراراته مجرد ردود أفعال تدفعه إليها الظروف.
7- الرمز والإيحاء: لعبت الصحراء بمحتواها الواقعى، وإيحائها المجازى دورًا مهمًا فى بناء دلالة كلية للرواية عبر صور البدوى دائم الترحال، وما يوحى به من تبدل فى حال الراوى. كذلك فى استخدام نبات الصبار كرمز للصبر، والبحث الدؤوب عن قطرة حياة فى عالم فقير.
يُلمِّح الراوى أيضًا إلى الوضع السياسى المضطرب، ونقمته عليه من خلال مصائر الشخصيات، واختياراتها، وإن مال فى الفصل الأخير إلى النبرة الحادة المباشرة عبر استحضار شخصية الخال “محمود” الذى يصب نقمته وقرفه من الجيل الجديد الذى لم يواجه صعوبات الأجيال السابقة عليه.
كان ارتباط البطل بالعالم مرهونًا بالحب، وانفصاله عنه رهين بالعزلة، والانكفاء على الذات هربًا من المواجهة. قبل حبه لـ”مروة” كان يظن أن “من لا يملك شيئًا لا يخسر شيئًا” ص117، وحين صار محبًا حقيقيًا تبدل رأيه إلى العكس تمامًا. “قلت لنفسى: من لا يملك شيئًا يفقد كل شىء” ص30.
صحيح أن البطل كان يدرك من البداية أن الحب لا ينتعش سوى فى بيئة سوية، ويعرف أنه كلما تعمق الارتباط زاد احتمال الألم المؤجل لأن لحظة الفراق آتية لا محالة فى واقع يقضى على الأحلام ويحاصر المشاعر، إلَّا أن الرواية تدفعنا فى النهاية إلى حالة جدل وحوار دائم حول مصائرنا. هل نصنعها بأيدينا أم ترسمها لنا الظروف من حولنا؟ واختياراتنا: هل هى نابعة من إرادة حرة، أم مجرد ردود أفعال فى حدود المتاح فى مجتمع لا يمنح الإنسان ترف البدائل؟

……………………

شاهد أيضاً

“الأميرة والرجل من العامة” .. لمحمد إبراهيم طه .. قراءة أسلوبية .. د . فاطمة الصعيدي

… الدكتورة / فاطمة الصعيدي .. تكتب لمجلة شعلة الإبداع .. قراءة في المجموعة القصصية “الأميرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *