أخبار عاجلة
الرئيسية / نقد / “الأميرة والرجل من العامة” .. لمحمد إبراهيم طه .. قراءة أسلوبية .. د . فاطمة الصعيدي

“الأميرة والرجل من العامة” .. لمحمد إبراهيم طه .. قراءة أسلوبية .. د . فاطمة الصعيدي

الدكتورة / فاطمة الصعيدي .. تكتب لمجلة شعلة الإبداع .. قراءة في المجموعة القصصية “الأميرة والرجل من العامة” للروائي الكبير محمد إبراهيم طه .. أهلا بالدكتورة فاطمة وبقلمها الراقي

لماذا يسافر فينا الغيام

وتمطر فينا دموع الصبايا

لماذا يسافر فينا الغيام

وحين تطل علينا البلاد

ويهدأ في دمنا السندباد

يحلق فينا وينأى الغيام

ويأبى السقوط

                                          سليمان دغش

  في طبعة أنيقة عن دار النسيم للنشر والتوزيع صدرت قصص “الأميرة والرجل من العامة” للدكتور محمد إبراهيم طه، وقد سبق صدور هذه المجموعة صدور مجموعات قصصية للكاتب، وهي “توتة مائلة على نهر”  1998، “الركض في مساحات خضراء” سنة 2006، امرأة أسفل الشرفة” 2012، “طيور ليست للزينة” 2014العامة. كما صدر له روايات كثيرة أيضا : سقوط النوار2001،العابرون 2005، دموع الإبل2008، “باب الدنيا” 2017، البجعة البيضاء2018.

     إن فكر المؤلف يتجلى في عمله، ونكاد نراه واضحًا ومشكلًا مركزية العمل الإبداعي، وهو ما يشكل التلاحم الداخلي للعمل، فكل الأشياء مشدودة إلى مدار الكاتب: اللغة، العلامات الثقافية، المخاوف، الأشياء المحببة، العادات. فكل هذه الأشياء تسير في مدارات تابعة لفكر المؤلف ووجدانه.

     إن كل هذه العلامات تنطلق من “الجذر الروحي” للمؤلف حيث تحمل شفرة العمل، وتمثل النشاط الفردي العيني الذي يجعل للمبدع كلمته المختلفة ورؤيته الخاصة التي جاءت نتيجة البيئة والثقافة والتخصص العلمي والإرادة والذكاء والدافعية.

     تمثل الأميرة والرجل من العامة الجذر الروحي والمنبع المشترك لكل تفاصيل العمل التي تشير بقوة نحو النشأة والتخصص العلمي والرؤية، فنجد مثلًا حقل القرية والطبيعة وتخصص الطب بشكل عام وطب النساء والتوليد بشكل خاص، نجد الحزن الكامن في تفاصيل كثيرة، وتجليات الفقد بدءًا من اللغة انتهاءً بالأفكار المثارة عبر القصص.

     محمد إبراهيم طه صوت يحتفي بالإنسان والأرض، وهذه الإشكاليات الكبيرة التي تتولد من هذه العلاقة الملتبسة دوما سلبا وإيجابا، يركض محمد إبراهيم طه في المساحات الخضراء محلقا مع طيور حرة ليست للزينة، ساعيا لفتح باب الدنيا الواسعة، فيرى التوتة التي تميل على النهر، فيجمع في روحه حلاوة التوت وعذوبة المياه.

     تتألف المجموعة القصصية “الأميرة والرجل من العامة” من قسمين رئيسين كل قسم يحمل عنوانًا، عنوان القسم الأول: أيام العباءة الفوشيا، يورد الكاتب في هذا القسم سبع قصص هي: أيام العباءة الفوشيا، التفاتة أخيرة، هل كنا على موعد؟، رائحة البرتقال، صورة حديثة لبريهان، سجل الزيارات، كتاب قد لا تطلع عليه الأميرة.

     أما القسم الثاني فيأتي تحت عنوان: أسباب للشروع في البكاء، وفيه سبع قصص أيضا هي: صاحب المكان، الرجل بالرداء الأبيض والناي،الأميرة والرجل من العامة، أسباب للشروع في البكاء، مدينة الصمت، خلف الأكمة نساء، تصريح لزيارة الجدة.

     جاء غلاف قصص “الأميرة والرجل من العامة” ممثلًا لمادته القصصية،يمتلئ الغلاف بصورة فتاة فيها الجمال والحياء والتأمل وحسن الاستماع، تشي ملامحها بقدر عظيم من السكينة والطمأنينة، وقد تشبه أيقونات العصور القديمة، فوق رأسها غطاء حر متماوج، كأن الرياح الآتية من خلفية الغلاف حيث الطبيعة الممتدة وراءها، تحرك الغطاء الوردي فتمنحه روحا إضافية، فهي الأميرة التي سنبحث عنها في زوايا القصص، وهي الطرف الأول الذي ورد في العنوان، ويصفها د.محمد إبراهيم طه  في قصة “كتاب لا تطلع عليه الأميرة”  صـ 48.

يأتي عنوان المجموعة مخالفا للتركيب المعياري للعناوين، حيث تتكون العناوين غالبًا من مركب إضافي أو وصفي، أو كلمة واحدة معرفة وقد تأتي نكرة. أما هنا فجاء العنوان جملة غير مكتملة، فالمبتدأ محذوف والخبر أيضًا، ويمكن تقديرهما بـ : هذه حكايات ، فيكون العنوان قبل الحذف:  هذه حكايات الأميرة  والرجل من العامة.

     يشي عنوان محمد إبراهيم طه بمواجهة بين طرفين ينتميان إلى طبقتين اجتماعتين مختلفتين: الأميرة وتنتمي إلى الطبقة العالية. أما الرجل من العامة فإنه ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، أو طبقة الهامش (الفقراء)، فالمجموعة تكشف منذ مطلع العنوان عن موضوعها الذي قد يحتدم فيه الصراع فينتهي بالفراق، أما يتوافق الطرفان، فينتهي بالعيش المشترك بينهما، هكذا يظل القارئ متوجسًا ماذا سيحدث؟، هل هي أميرة على سبيل الحقيقة أما إنها أميرة القلب وهي مرتبة  معنوية أضفاها محمد إبراهيم طه   على بطلات قصصه.

     الأميرة هي المؤنث، المرأة بكل تجلياتها.. قد تكون الزوج وقد تكون الحبيبة، وقد تكون الملهمة، وقد تكون في أي مكان امرأة غريبة، لكنها الأميرة لابنها، أولزوجها أولأبيها أو لحبيبها.

     يذكر ابن منظور في مادة( أمر)  المعاني الآتية:

     “الأمير كل من فزعت إلى مشاورته ومؤامرته فهو أميرك، والأميرة: الملك لنفاذ أمره من الإمارة والأمارة”

                                             معجم لسان العرب

     هذه حكايات يرويها د.محمد إبراهيم طه حول تنويعات الأنثى، فهي عفاف..وهي هدى..وهي أشواق صلاح الدين محمد، وهي نور، وهي بريهان، وهي الأميرة، وقد تأتي دون اسم لكن محمد إبراهيم طه يضعها في إطار جمالي، فالمرأة عنده مجاز الجمال .حتى عندما تأتي الشخصية مزعجة لم يكن أبدا متطرفا في نقده لها، نراه عندما يصف “كوكب السنوسي” الممرضة.

     الإهداء: “كنا على موعد مؤكد، ولا شيء حدث سوى أنها لم تأت”

     يتجلى الغياب والفقد في بنية الإهداء، ومظاهر الغياب تبدو واضحة في الفعل الماضي الناسخ “كان” التي تشير بقوة إلى تغير الحال، ومن علامات الغياب أيضا: “لا النافية للجنس في قوله” لا شئ حدث”، “ولم النافية” أيضا:  في قوله “لم تأت”.

لا شيء حدث             يعني فقدان الحركة

لم تأت                      يعني فقدان الحضور

نحن بحضرة الغياب الذي يحاول محمد إبراهيم طه اقتناص لحظاته الهاربة، ليجسده للقاريء في لوحات فنية مكثفة لهذا الغياب بحضور فني هادر لتكاد تسمع وقع خطوات الغائبين وترى تفاصيل حضورهم عبر السرد القصصي. لاحظ طريقته في إيراد الضمائر، فقد بدأ باستخدام ضمير المتكلم المتصل المعبر عن “نا الفاعلين”، ثم حدث الالتفات بتحوله الدرامي إلى المفردة الغائبة، وكأن الهدف لم يعد يجمعهما؛ لأنها لم تأت في الواقع، فقد حضرت مجازا في قصص د.محمد إبراهيم طه، لتشكل حالة لتجلي المؤنث في مشاهد غاية في الإنسانية والنبل.

سمات أسلوبية في قصص الأميرة والرجل من العامة:

  • المشهدية:

   أعني بالمشهدية، هذه الوحدات السردية التي تتآلف فيما بينها مكونة قصة، هذه الوحدات السردية التي تصور مشاهد غنية بالصورة والحركة واللون والحدث والرائحة، هذه المشاهد التي تعتمد على الرؤية والعين، لكن مايراه القاص يأتي معتمدًا في الأصل على المشهد الطبيعي، ويخرج من هذا المشهد ويعود إليه محملا إياه بطاقات سردية يوظفها من أجل إدراك مشهد معين، وهنا تتقاطع الفضاءات السردية بين ما هو داخلي وما هو خارجي، كل قصة من قصص “الأميرة والرجل من العامة” تتكون من مشاهد… كل قصة تنتمي إلى بيئة خاصة لها تفاصيلها الدقيقة وروحها المختلفة.

     يستند المشهد في النص القصصي على ثلاثة محاور: الوصف، السرد، الحوار، فهذه التقنيات يستخدمها القاص في الحكي، فالمشهد السردي هو الذي يتخذ من السرد طريقًا لإتمام المشهد، والمشهد الوصفي هو الذي يعتمد على الوصف بتنويعاته في اللون والحركة والصوت، أما المشهد الحواري فهو يعتمد على الحوار.

المشهد السردي

     من المشاهد السردية:

 يقول د.محمد إبراهيم طه في قصة “أيام العباءة الفوشيا” صـ9،10.

“كأن هدى أرادت توصيل رسالة حين تركت لعفاف عباءة قديمة نسبيا ثم رفضت أن تستعيدها لتظل روحي معذبة بمشهدها وهي جالسة أمام الفرن، يتراقص الوهج على وجهها الباسم وعيناها تركزان على مركز المطرحة، تهزها بعنف، فيهتز صدرها تحت عباءة فوشيا…”

     يعتمد المشهد في النص السابق على هذه الطاقة السردية التي حبكها القاص بهذه السلسلة من الأفعال التي صنعت مشهدًا سرديًا متصاعدًا متوهجًا توهج نيران الفرن، نكاد نشم رائحةالخبز، ونشعر باهتزازالمطرحة وتراقص الوهج. وهذه الأفعال هي: ( أرادت- تركت- رفضت- تستعيد- تظل – يتراقص – تركزان –تهز- يهتز)

المشهد الوصفي:

     “وكلما يشحذ ذاكرته حد الجنون، لا يتمكن من تحديد موضع الكاميرا التي التقطت الكادر بهذا القرب فأتت بهما هكذا ظهرا لظهر، خلفهما نقوش واضحة على جدار، ثم ابتعدت شيئا فشيئا حتى ظهرت تيجان الأعمدة، ثم البهو المفتوح على السماء، ثم دارت بأناة  كطائر دورة كاملة قبل أن تعود إلى وضعها الأول، حيث كانا كتمثالين ملتصقي الظهر؛ هو بجلباب أبيض، وبرنيطة خوص ونظارة سوداء وهي بوشاح فوشيا، والشمس ساقطة على جسديهما، وفيما الكاميرا عالية الدقة تأخذ ببطء لقطتها الدائرية، بدا الكرنك كأنما بواجهته وجدرانه وأعمدته وبهوه هو الذي يدور، قبل أن تستقر في المنتصف أعلاهما لسبع ثوان فلا يبين منهما سوى برنيطة خوص عريضة الحواف على رداء أبيض وناي يمتد للأمام من أسفلها، خلفها بالتمام شعر منسدل على كتفين مكشوفين إلا من حمالات سمراء ووشاح فوشيا حول عنق أبيض، كلاهما يحدق في شيء بعيد عند حافة الأفق، بنظرة غير محدودة، فيما يمتزج صوت الناي من مقام نهاوند بشدو أنثوي وترانيم غامضة لا تحيل إلى لغة محددة بقدر ما تحيل إلى مناجاة وتأمل.”

من قصة” الرجل بالرداء الأبيض والناي”ص61 – 62.

     إن المشهد السابق يعتمد علي عناصر الصورة: الصوت واللون و الحركة، ربما تكون الحركة غير محسوسة ؛ لتليق بلحظة التأمل التي يعيشها بطلا القصة، وجاءت الكلمات الدالة على الحركة تؤكد هذا، فنجد محمد إبراهيم طه يقول في ذلك: (دارت بأناة – تأخذ ببطء لقطتها الدائرية  )

     أما اللون فنجد الأبيض والأسود الذي قد يطلق عليه الأسمر إذا جاء وصفًا للمؤنث؛ ليحيلنا إلى أغنية جميلة لمحمد قنديل”جميل وأسمر” ومع هذين اللونين يأتي لون الفوشيا، ألوان الكاتب المفضلة والتي تأتي دوما معا، وقد يأتي معها الأخضر حسب سياق القصة.

     أما  الصوت فنجده واضحًا في : صوت الناي، مقام نهاوند، شدو أنثوي، ترانيم غامضة، مناجاة.

     ومن النماذج المشهدية قوله:

“رنوتُ ببصري إلى ذات البلوزة الفوشيا وكتبتُ: حين يكنَّ رقيقاتٍ كقططٍ بيض، ويرنون إلينا بحنو، ويتمسحن فينا بدفء، وتحيطهن هالة من الضوء، وتتكلم أعينهن بما لم تقله أفواههن، فنهرني جاري: “إلى متى تظل ساذجا؟”

 كان صوته عاليا حتى أن ذات البلوزة الفوشيا والبنطلون الجينز انتبهت، فرفعتُ حاجبيَّ من الدهشة وسألتُه كيف يتكلم بهذه الطريقة، فقال لأنه لا يحب الكلام المحلّق”

من قصة ” خلف الأكمة نساء”صـ88

    في المثال التالي جاء اللون الفوشيا مغطيًا رأس الطفل المريض العائد من المستشفى ذات القباب الخضراء:

“في طريق العودة نزل الرجل من التوكتوك، ودخل محطة “السيدة زينب” حاملاعلى كتفه الولد ذا الطاقية الفوشيا التي تغطي أذنيه… ورغم أن للولد حجرة مكيفة في المكان ذي القباب الزجاجية الخضراء، بها حمام ولها رقم يغلب على جدرانها الفوشيا، وعلى أرضيتها رسوم مبهجة، وعلى بابها اسمه واسم الطبيب الذي يمر عليه كل يوم”

من قصة” تصريح لزيارة الجدة” صـ 100

     في النص السابق يأتي الفوشيا دالًا على البهجة رغم السياق المؤلم الذي يشير إلى حقل المرض، لكن القاص أراد تخفيف وطأة الألم النفسي والجسدي للمريض و مرافقيه، فأتى بكلمات مصاحبة للون الفوشيا مثل:

الطاقية الفوشيا – القباب الزجاجية الخضراء – رسوم مبهجة.

المشهد الحواري

يقصد بالمشهد الحواري أن الحوار هو المرتكز الذي يشيد عليه القاص المشهد، نجد ذلك في الحوار التالي الذي يدور بين الحكيم والرجل من العامة حول إشكالية الزواج بينهما، في الحوار يرسم القاص ملامح الحياة الجديدة التي ستجمع الأميرة والرجل من العامة، يقول د. محمد إبراهيم طه في قصة الأميرة والرجل من العامة ص65-66-67     

     

“ما الذي يقلق الحكيم ؟

ـ النهايات لا البدايات.

ـ لا نهاية في علاقة أبدية.

ـ علام تستند في أنها أبدية؟

ـ  حبي للأميرة.

ـ وهل تظن أن ذلك يكفي؟

ـ أضع الطعام في فمها، وأهدهدها على كتفي كطفل، وأمسد شعرها.

ـ ثم ماذا؟

ـ أرعى شئونها ومصالحها وأكون أقرب الناس إليها.

ـ والمقابل؟

ـ لا شيء سوى ابتسامة الأميرة تلك، ونظرتها الطفولية إلى العالم، وسطوة الفوشيا على ملابسها.

ـ ثم ماذا؟

ـ ألَّا تَفْهَمْني على محملٍ سييءٍ في أمرٍ يحتملُ تفسيرين.

ـ  وماذا بعد؟

ـ لا شيء بعد.

ـ  تعلم أن الأميرة قد تحتاجك في أي وقت؟

ـ أعلم!

ـ  وأنها لحوحة في الاتصال التليفوني  وبلا مناسبة، ولساعات؟

ـ أعلم  ومستعد.

ـ وتشعر بالغيرة وينتابها هلع دائم فتصير تصرفاتها غير محسوبة!

ـ ولا يهمك.

ـ وتسيطر عليها حالة من الأسى وتشعر أنها ضيقة الصدر.

ـ في حضني متسع لضجر الأميرة.

ـ والناس بشأنها محب أو كاره ..لا أحد بين المنزلتين!

ـ أعلم، وأعرف أين أقف.

ـ وتكون شريرة أحيانا وقاسية!

ـ قسوة الأطفال مقبولة.

ـ ما الذي تحبه في الأميرة؟

ـ كل شيء.

ـ ما الذي يغضبك؟

ـ لا شيء.

ـ إذن.. ما الذي يحزنك؟

ـ  أن يحتد عليَّ شخصٌ أحبه.

ـ اتفقنا!”

      نستطيع أن نتعرف على تفاصيل الحياة المقبلة كما يراها الرجل من العامة، طريقة العيش بينهما ابتداءً من رؤيته للعيش معًا انتهاءً بكيفية العيش: كيف يأكلان، كيف يدللها، أضف إلى ذلك بيان بالمسئوليات الاجتماعية والوجدانية التي سيتحملها الرجل من العامة من أجل إسعاد الأميرة.

     المشهد الحواري يتكون من مشاهد صغيرة،ولك أن تقول من لوحات متعددة، كل منها تعالج جانبًا من جوانب الحياة، مرة ترى الأميرة غاضبة، وأخرى تجدها غيورة، وثالثة تجدها ضيقةالصدر، ورابعة لحوحة،وخامسة مبتسمة وهي ترتدي الفوشيا، كل حالة لها مشهد استطاع القاص رسم تفاصيله بدفة فمثلًا يقول واصفًا طريقة معاملته للأميرة: (أضع الطعام في فمها، وأهدهدها على كتفي كطفل، وأمسد شعرها)، تبدو حركة المشهد واضحة من خلال الأفعال التي تضمنها النص، فالأفعال تكررت خمسًا و عشرين مرة، يرتبط بهذه الأفعال تفاصيل تسهم في إتمام المشهد.

     في قصة ” أسباب للشروع في البكاء”ص 74 – 75

“ناولني الضابط الذي فتح البلاغ منديلا ورقيا وسألني:

ـ ولم يهددوك؟

ـ يلمحون لي بترك البيت.

ـ لماذا؟

ـ لا أعرف.

ـ بيتك؟

ـ نعم، ومثبت في البطاقة.

ـ أوراقه سليمة؟

ـ نعم، إرث شرعي، وقائمة قسمة، وإيصالات نور ومياه وغاز.

ـ غريبة.. لماذا يفعلون ذلك؟

ـ لا أعرف، وتزيد تهديداتهم كلما اقترب موعد الولادة.

ـ كم عمرك؟

ـ مكتوب عندك في الرقم القومي!

ـ وعمر الزوجة؟

ـ 29.

ـ والطفل؟

ـ سيأتي في الثالث والعشرين.

ـ وكيف عرفوا بأمره؟

ـ يرون بطنها وهي ترتفع خلف العباءة.

ـ هل سبق لك أن اعتديت عليهم أو هناك مشاحنات سابقة.

ـ مطلقا، وكما تعرف فالشاعر والموسيقي لا يعتديان على أحد.

ـ هل أصابك، أو أصاب الزوجة، أو الطفل مكروه؟

ـ وهل أنتظر حتى يقع المكروه؟

ـ خلاص يوم 23 يحلها ربنا!”

     إن المشهد الحواري عند محمد إبراهيم طه يعتمد على أسلوب الاستفهام الذي يفتح الباب واسعا لتوقع الإجابة التي قد تكون متفقة مع ما يراه المؤلف، وقد تكون مختلفة مما يتيح للقارئ مساحة من الحرية في شغل مساحات خالية. جاء الحوارأيضًا سريعا متدفقًا، يبعد عن الدخول في أمور لا جدوى منها مما يجعل الحوار في وجودها مترهلًا، وهناك سمة أسلوبية أخري في حوار محمد إبراهيم طه وهي الحذف، فنجده يقول في الحوار السابق:

ففي النص السابق لم يكرر أداة الاستفهام (كم) ، فيقول: كم عمر الزوجة؟ والسؤال الذي يليه حذف أداة الاستفهام وكلمة (عمر) أيضًا، اكتفى بمركب العطف(والطفل) ويأتي معه بأداة الاستفهام للدلالة على السؤال. وثمت سمة أسلوبية أخرى في المشهد الحواري وهي اللغة البسيطة التي تنحو إلى لغة الحياة اليومية، كمل جاء في السطر الأخير من الحوار: ( خلاص يوم 23 ربنا يحلها)

 

  • سطوة اللون

يشكل لون الفوشيا ملمحًا أسلوبيًا في قصص الأميرة والرجل من العامة لمحمد إبراهيم طه، يؤدي اللون الوردي “الفوشيا” دور البطولة، فدلالة الفوشيا تشير إلى الأنوثة و النعومة والرومانسية، فوجود الفوشيا يعني وجود المؤنث، ترتكز عليه معظم القصص، فمعظم الشخصيات النسائية التي أدت الدور المحوري في القصص  يرتدين الفوشيا، وعندما جاء اللون مرة واحدة  لغير المؤنث جاء مجازًا لطفولة بريئة كما جاء في القصة الأخيرة” تصريح لزيارة الجدة” ويشكل اللون أحد عناصر المشهد الوصفي:

فمثلا في القصة الأولى “أيام العباءة الفوشيا” يتجلى اللون من مطلع العنوان، يصف الكاتب العباءة فيقول “عفاف ترفض النزول من قارب لا يغرق ولا يعوم، أغمض عيني فتأخذني دوامات العباءة الفوشيا”، ويقول أيضا في القصة نفسها “لا أذكر عدد العباءات الفوشيا التي اشتريتها” ويقول “لم تفهم عفاف لماذا أضع عباءتها الجديدة في الغسالة، وتظل تصرخ حين تراها في وهج الشمس، فيما أتعمد الوقوف على المنشر الفوشيا انتظارًا لوصول إحدى العباءات إلى درجة اللون الذي أعرفه.”ص11

وفي القصة الثانية “التفاتة أخيرة” يقول الكاتب: “لم يكن علي سوى الإمساك بالهاتف والتقاط صورة لولد رشيق بجلباب أبيض مكوي بجوار امرأة ممتلئة قليلا بعباءة فوشيا جديدة ربما.. أول غسله” ويقول في القصة نفسها صـ18 “يتجلى اللون الذي يرتبط بالأنوثة دوما، مع تفاصيل تتعلق بالحقل الدلالي للمؤنث، ويتعانق مع لون الفوشيا اللون الأبيض الذي إن دل على صفاء الروح، فإنه مفردة مهمة وحياتية في حياة الطبيب الذي تتضح معلوماته الطبية عبر معايير يضعها للجسم الرشيق وغيرها من التفاصيل”.ص15

     يأتي اللون دوما موظفا في حقل الملابس النسائية مما يسمح للقاص الاسترسال في الوصف؛ ليضع الفوشيا في إطار يبرزه ويزيده بهاءً كما سنرى في تلك اللقطة التي اقترب فيها القاص بعدسته ليكشف تفاصيل الألوان التي تأتي في محبة الفوشيا، فنجد الأبيض والأخضر والأحمر:

     “في اللقطة التي حملت على عداد الصور رقم 50، كانت  وحدها برغم رداءة الهاتف وضعف الكاميرا في الكادر، خالدة وعظيمة، في عباءة فوشيا، برقبة بيضاء ملفوفة، تقف وحدها في مساحة خضراء، تنظر بعينين واسعتين كأنهما تستوعبان الكاميرا، في الخلف بونسيانا  بزهور حمراء، تبتسم بلا أي تحفظ، وتعطى للكاميرا صدرا شامخا خلف عباءة فوشيا منسجمة مع طول مناسب ووزن لا يتجاوز بأي حال خمسة وستين كيلو، رغم أنها كانت توحي في جلوسها بأنها أثقل من ذلك.”

من قصة” التفاتة أخيرة” صـ18

      مثال آخر لتجلي اللون الفوشيا يقول محمد إبراهيم طه:

     “فصرت أتجول في نادي المدينة، وأتفقد المولات والمطاعم والكافيهات محدقا في وجوه نساء تجاوزن الثلاثين بقليل، وحيدات، بشعور ناعمة جدا لا تحتاج إلى وقت لتسريحها، بيض لا يضعن كريمات مفتحة للبشرة، يفضلن القهوة ولا يأتي الشاي على بالهن إلا مرة واحدة كل عام، يفرغن في خمس دقائق من أي وجبة حتى لو كانت رئيسية، تغلب الفوشيا على ملابسهن القطنية مقاس  “L” “

من قصة ” صورة حديثة لبريهان” صـ39

“تعززت فرضية الحمل، لكنه كلما رجع للخلف، لا يعرف اللحظة التي دفعته لالتقاط الصورة، ولا البواعث التي دفعته فيما بعد إلى التقاط الصور للأميرة بشكل منتظم مرة وهي أمام التليفزيون، مرة وهي تأكل، ومرة  وهي سارحة تتحدث في الهاتف، أو وهي تركز في إيصال فكرة إليه،  بمعدل صورة كل يوم، سواء بعلمها أو بدون، لكنه اكتشف وهو يراجع الصور أن الفوشيا موجود في جميع اللقطات؛ العباءة والوشاح والتوكة وبَنْدانة الشعر، والروب، وخلفية المطبخ،  وجدار  الصالون، وقماش  الفوتيه، وحين تتبّعَ التغيرات في جسد الأميرة  وجد أن البداية  كانت مع اللقطة الأولى، وهو ما جعله يعتبرها حسابيا بداية الحمل الحقيقية.”

من قصة ” كتاب قد لا تطلع عليه الأميرة” صـ49

  • الإشارات الثقافية

     تشكل العلامات الثقافية في العمل الأدبي مرتكزًا مهمًا وأداة ننطلق منها لمعرفة التكوين الوجداني والمعرفي والمهني للمؤلف؛  فالثقافة علامات سيميولوجية  تكتسب دلالتها عبر ثقافة معينة، لذا فالنص الأدبي يعكس ثقافة مؤلفه، البيئة التي خرج منها، البيئة التي يعيش فيها،  وبالتالي فالنص هو النسيج الذي تتداخل فيه كل العلامات الثقافية التي تشكل فكر المؤلف ووجدانه؛ لأن الثقافة هي مجموعة القيم التي يكتسبها الأنسان؛ فتشكل طباعه وشخصيته.

من العلامات الثقافية المتعلقة بالقرية:

الفرن – المطرحة – غبار الدقيق – رائحة الخبز-

     ومن العلامات الثقافية المتعلقة بالتخصص المهني:

سكن التمريض – غرفة الاستقبال – حالة مغص – المسعف – طبيب عام –نوبات مغص –مستشفى – حالة ولادة – حالة غيبوبة – الغيبوبة –طبيب ولادة – الزمالة الملكية في النساءوالتوليد – دكتوراه في أمراض النساء – مستشفيات وزارة الصحة – كانيولات – مستشفى الأطفال التخصصي .

     ومن العلامات الثقافية المتعلقة بالفن نجد أسماء مطربات وملحنين ومؤلفي أغنيات مثل: نجاة – عصمت عبد العليم – عبد الفتاح مصطفى –  محمود الشريف – أحمد صدقي.

كما ذكر بعض الأغنيات منها: وطول ما الحلو جنبي ..

                                   ع الدنيا السلاااااام

                                    طاااااااير يا حمام   

   وأغنية” يا حلو صبح” و أغنية” والنبي يا جميل” وأغنية “سحب رمشه”  و أغنية ” مالي بيه” و أغنية “يا نسيم الفجر صبح ” وأغنية ” ويا حلو ما تهدي” وأغنية” سوف أحيا” وأغنية”مولاي إني ببابك” ونشيد ” بلادي بلادي”  

      يتضح مما سبق ذوق الكاتب في الأغنيات، ونجده  يقرر ذلك على لسان الشخصية القصصية بقوله:”وبررت لماذا أفضل محمد قنديل وفايزة أحمد ونجاة على كوكب الشرق” ص92

  • شعرية اللغة:

     تمثل الصورة أحد وجوه الأداء الجمالي في اللغة، فهي التي تحول ما يكتب من كلام استهلاكي يمارسه أفراد المجتمع إلى أداء نصي متميز، فالصورة أداة من أدوات صنع الخيال، فالكاتب يجسد أو يشخص المعاني الكامنة في ذهنه، والأفكار التي يريد التعبير عنها.

     يسلك الكاتب مجموعة من الطرق الأسلوبية والتقنيات اللغوية؛ ليحول ما يكتب إلى تعبير فني يتلقاه القارئ العام أو الخاص فيجد فيه هذه العلامات الأسلوبية التي تميز كل كاتب عن الآخر، ولهذا كان للبلاغة الدور الكبير في إنتاج النصوص.

     من مظاهر شعرية اللغة قوله ” ذات يوم التقيا، أميرة ورجل من العامة، كانت رشيقة ببلوزة فوشيا على بنطلون جينز، يداعب الهواء خصلات شعرها الكستنائي، والرجل من العامة يتأملها وشمس الضحى تسقط على شعرها ووجهها” صـ65

     ونموذج آخر يمثل شعرية اللغة: ” حتى إنني نهضتُ لألحق بك في الخارج، لكنني لم أعرف والباب ينفتح إن كنتِ التي دفعتِه أم أنني الذي سحبتُه، فقد أمسكنا بالمقبض في نفس اللحظة، وتلاقت عينانا بنفس الدهشة، وأفسح كل منا طريقا للآخر غير أنك تغلبتِ على التردد، ومسحتِ القاعة بعينين مندهشتين ثم قصدتِ الطاولة المجاورة لطاولتي كي تعاودي في غضون دقيقة واحدة انفصالك عن العالم الخارجي بالانخراط في القراءة وطلب قهوة فرنسية.

 وحدك التي كنت تسيرين في الخارج فيما أراقب العالم من خلف الطاولة كأنك تفكرين في شيء داخلي عميق، منفصلة عن العالم من دون كل الفتيات اللاتي توقفن على مقربة من الزجاج العاكس بجينز ملون وبلوزات شتوية خفيفة وأحذية رياضية ملونة لإلقاء نظرة عامة على ملابسهن، وهن يبتسمن ويمسدن شعورهن ثم يعاودن السير بميل فطري إلى الاستعراض.” صـ22

     يشكل الحزن مرتكزًا أسلوبيًا في أعمال محمد إبراهيم طه الذي نراه بقوة في سقوط النوار والعابرون ودموع الإبل، ولعل مفردات الحزن وما يتعلق به تظهر من العناوين: سقوط – عابرون –دموع.

     كما يمثل أسلوب النفي مظهرًا من مظاهر عدم التحقق، ومن ثم الحزن على الفقد وعدم الإنجاز، ومن أمثلة استخدامه لأسلوب النفي قوله:

– لا نوم ولا يقظة.

– لم أعرف فيم كنت مشغولًا حين اعترض الصغير طريقي.

– لم تكن شمس الضحى بهذه القسوة من قبل.

– لم يعد الصمت مؤلمًا كما في البداية.

– ثلاثة وعود كافية ليتوقف الولد الصغير عن البكاء.

5- اسماء الأميرات:

     يمثل اختيار محمد إبراهيم طه لأسماء النساء في القسم الأول من القصص ملمحًا أسلوبيًا مهمًا، فقد اختار المؤلف أسماء حملت قيمًا إيجابية، فاختار أسماء: عفاف..هدى.. أشواق.. نور.. بريهان ( اسم فارسي يعني الأميرة الملاك)  كما اختار اسم الأميرة لتكون بطلة قصة تحقق أبوته. واختار لشخصية ثانوية وهي شخصية الممرضة اسم كوكب، ولعل في هذه الاختيارات مؤشر مهم على احتفاء المؤلف ببطلاته كلهن، وإن جاء اسم عفاف موحيًا موظفًا في قصة ” أيام العباءة الفوشيا”

     هذه الرحلة التي قام بها محمد إبراهيم طه منطلقًا من القرية في قصة ” أيام العباءة الفوشيا”، مرورًا بالمدينة الصغيرة( المركز) التي يرتادها من أجل العلم أو من أجل التنزه أو ابتياع بعض الأشياء في قصة ” التفاتة أخيرة”، ثم الدخول في العاصمة حيث الدراسة الجامعية وقصة الحب غير المحققة كما في قصة” هل كنا على موعد”، ثم مداومة الرحلة حيث المسير في طرق جديدة في رحلة البحث عن تحقق مهني واجتماعي، كما في قصص” رائحة البرتقال” وقصة ” صورة حديثة لبريهان”، وقصة ” سجل الزيارات” . أما قصة ” كتاب قد لا تطلع عليه الأميرة” فهي علامة التحقق بالأبوة .

     إن قصص محمد إبراهيم طه تقدم صورًا تحتفي بالحياة رغم الآلام، وتعلن انتصار هؤلاء الذين يعانون، فقدم أسبابًا للشروع في البكاء، كي تتطهر الروح من آلامها. كما احتفى بالراحلين في مدينة الصمت، وأنهى المجموعة بتصريح لزيارتهم. نستطيع في نهاية الدراسة أن نقرر أن صوت محمد إبراهيم طه يستمد من معين القرية بأحزانها وأفراحها، وما تزال روحه معلقة بالنوار الذي تساقط مبكرًا. لكنه دفع القصص لتتجاوز الواقع إلى أقصى حد، فجعلها مجموعة قصصية تقدم الإنسان المعاصر الباحث عن روحه الهاربة عبر استحضاره للحظات تحققه.

شاهد أيضاً

الحضور والغياب في مجموعة “باب مروحة” .. لأماني الشرقاوي .. أ.د.فاطمة الصعيدي

…      “باب مروحة” مجموعة قصصية جديدة للقاصة والروائية أماني الشرقاوي، صدرت عن دار المعارف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *