الرئيسية / رؤى نقدية / ” إبحار في الجمال وإلي الجمال ” رؤية نقدية لقصيدة ” أغنية الجمال ” للشاعر العراقي عبد الكريم اللامي .. بقلم الشاعر / عصام بدر

” إبحار في الجمال وإلي الجمال ” رؤية نقدية لقصيدة ” أغنية الجمال ” للشاعر العراقي عبد الكريم اللامي .. بقلم الشاعر / عصام بدر

32831314_1697309287021668_4259307118844182528_n

لا يزال الشاعر العربي مأسورا بالغزل في أشعاره ، ربما كان هو الأقرب إلى قلبه الذي يحوي الحبيبة الحسناء غالبا كما تراها عينه العاشقة و ربما كانت الحبيبة ونا و كان الوطن حبيبة ، لكننا الآن بصدد قصيدة غزلية خالصة الغزل عبقة بطيب الرومانسية و الشاعر يطوف بنا طوافا محمودا حول بيت الغزل العفيف الذي أسبل على حبيبته الكثير من جميل الصفات و حسن الخصال ، هكذا هو الشاعر العراقي الرائع / عبد الكريم اللامي يثبت للقارئ في قصيدته أغنية الجمال ما يؤكد انصهاره الوجداني في حبيبته انصهارا تاما يتماهى مع ما يعتمل به وجدانه .

جاءت القصيدة منسابة الموسيقى كنهر رقراق يتراقص موجه في هدوء بسيطا جريانه فكتب على بحر البسيط الذي تتوافق موسيقاه مع انسيابية عواطفه و امتداد الموج الذي يترقرق سلسبيلا ، الشاعر يدرك جيدا ما يجول بصدره من انفعالات و ما يروق ناظره من جمال أخاذ فتان آسر فنراه قد أغدق في وصفه جمال حبيبته إغداقا فنراه يصفها بأجمل النساء و هي كما يراها الجمال كله .

اللغة عند عبد الكريم اللامي لغة رصينة جزلة فصيحة تؤكد تمكن الشاعر من لغته و امتلاك ناصيتها  فقد وفق كثيرا في انتقاء المفردات المعبرة الموحية التي تناسب ما يحس به و ما يعتمل به وجدانه و ما تجيش به عواطفه ، فكمثال اختار الشاعر مثل هذه المفردات في القصيدة

أغنية ، الجمال ، الحسن ، السحر ، الأزهار ، عنقود من الدر ، الضياء ، الظفر ، و غيرها من الفاظ الدالة على الرومانسية و الحب الجارف المسير على وجدان الشاعر  .  لقد طاوعته اللغة كثيرا كثيرا فكانت صديقا و رفيقا في سفره عبر دروب و مسالك القصيدة و جاءت اللغة سليمة في مبناها و معناها و كذلك تمكنه من الموسيقى الرقراقة التي وافقت سريان القصيدة و تنامي مبناها بكانت الإجادة شكلا و مضمونا و مبنى و معنى .

الصور و التراكيب عند الشاعر في هذه القصيدة جاءت بلا تعمد أو سعي إليها و إنما كانت تعبيرا و نقريرا عما يرى الشاعر و يحس و هكذا جاءت الصور و التراكيب جدا معبرة متسقة مع الصدق الشعوري للشاعر فنجد على سبيل المثال قوله :

جمال عينيك أنغامٌ على وترِ

ولحنُ ثغركِ عنقودٌ من الدُرَرِ

كيف صار الجمال العينين أنغاما و كانها آلات موسيقى تعزفها العيون و الثغر منبع الألحان صار في تفرده عنقودا من الدرر . و يقول أيضا :

فمنهلُ الحسن في أحداق فاننةٍ

كمطلعِ الفجر في ساحاتِ منتصرِ

كيف استطاع التقاط هذه الصورة البديعة التي تمثل فيها منهل الحسن و الجمال في أحداق حبيبته الفاتنة بمظلع الفجر بما يوحي به من امن و أمان و نور و ضياء و حياة بل زادها جمالا ان كان الفجر يجمل بشرى انتصار لمنتصر .. الأمثلة كثيرة على براعة التصوير يكاد القارئ يلمحها بغير عناء خلال قراءته للقصيدة و كذا التعابير و التراكيب العذبة التي تموسقت مع انفعال الشاعر و صدقه الشعوري فنجد قوله : ضياء الفجر ، شواطئ السحر ، شادي الصبح ، رحيق الورد ، طيف الشمس ، عذب الشهد و الفكر ، ساعة السحر ، هذه التراكيب التعبيرية و مثيلاتها الكثير عجت بها القصيدة تعبر بصدق عن انسجام الشاعر و لغته و تعابيره التي شاركت الشاعر غزله بحبيبته الحسناء .و كذلك تنوعت الأساليب بين الخبرية و الإنشائية حسبما تأتي بها الحاجة دون إلحاح عليها و بين المحسنات البديعية و إن لم يكن وجودها ملحوظا و ليس بعيب .

عاطفة الحب و الهيام سيطرت على الشاعر بشكل واضح في القصيدة و أكدت أن الجو النفسي الذي دخل فيه الشاعر كان مؤثرا بعمق كبير في وجدانه مما جعله يستغرق في التعبير و البوح و كان الشاعر ماهرا حيث لم نجد انفلاتة واحدة تفك غزل الثوب و نسيجه المحكم بإتقان فكان النص متسقا جدا قوي البنيان منسابا كنهر عذب رقراق و لعل دجلة و الفرات و عذوبتهما كان لهما تأثيرا و تشكيلا وجدانيا للشاعر العراقي الرائع ، هذا الشاعر الذي رغم تطور العصور و مغايرة الواقع و الأحداث السراع إلا انه يمسك باللغة إمساكا و يتغنى بموسيقى الخليل و يلتقط الصور البديعة التي جبلت عليها الطبيعة بسمائها المزركشة بالنجوم و هذا القمر الوضي اللامع و البحور و النيل و الليل و الفجر و كل هذا تسجيل للجمال في أصالة و عراقة ظاهرتين في تشكيل وجدان الشاعر فكانت هذه الدرة الجميلة التي عنونها ب ” أغنية الجمال “

من الملاحظ على الشاعر كثرة أسفاره و هيامه بالبلدان ربما كان لظروف العمل أو ربما للسياحة و حب الأسفار و ربما قصد الشاعر أن يشير عرضا في النص بأن حبيبته في مدينة ” بور سعيد ” و ربما كانت القصيدة مكتوبة لها خاصة ، لكنها بشكل ما إشارة محمودة من الشاعر و ربما يؤكد عشقه للماء سواء كان أنهارا أو بحارا و هيامه بزرقة الماء و السماء و كلها تؤكد عشق روح الشاعر و ذاته للصفاء و الحب و الخير و السلام و الجمال .

……………

أغنيةُ الجمال

جمال عينيك أنغامٌ على وترِ

ولحنُ ثغركِ عنقودٌ من الدُرَرِ

أيا سناءً أعاد الروح بهجتها

مطلّةٌ أنت في ليلي كما القمرِ

فإن أتانا ضياءُ الفجر نقبلَهُ

وإنني..ليس نئسى أنت في الاثرِ

فمنهلُ الحسن في أحداق فاننةٍ

كمطلعِ الفجر في ساحاتِ منتصرِ

وما إليك نظيرٌ أنتقيه وإن

بالجمعِ جاءت نساءُ البدو والحضرِ

على شواطئ سحر الكون ساكنةٌ

جمالُ روحك يُبْقي بهجةَ الخُضَرِ

وما لعينيك في الأمصارِ من شبهٍ

تلألأتْ كنجومٍ ساعة السّحرِ

فنجمةٌ أنت في العلياء سابحةٌ

رمنا لها الوصل لكن رومَ منتحرِ

فإن قُتِلْتُ شهيداً فيك أحسبني

وتلك أحسَبُها لي ساعة الظّفَرِ

وشجوةٌ أنت شادِي الصبح غرّدها

لينعمَ الخلق في معزوفة القدرِ

فما تظاهر في الوديانِ من زهرٍ

إلا وكنت رحيق الورد و الثَمَرِ

تعانق اللحن في الأوصال ذروتهُ

فسابقَ الحسنُ طيف الشمس والقَمرِ

فحين رمتِ فضاء الكون ظاهرةً

راح الفتون إلى خديك في سفرِ

تظاهر الضد في الآفاق مؤتلقاً

والحسنُ جمرٌ غدا في طائلِ النظرِ

فما لبورِ سعيدٍ من مخيلةٍ

بأنّ فيهِا فتاةٌ أجمل البشرِ

غنى الربيع إلى أزهار طلعتها

وبادلَ الصيف في الألحانِ والصورِ

فالبحر أعلن بالإعصارِ غايتَهُ

أفاضَ عشقهُ بالإعصار من ضجرِ

وقال يطلبُ من عينيك زرقتها

زراقُ عينيك عذبُ الشهدِ للفِكَرِ

ولحن فكرك مرساةٌ موانئها

ما كان في الأجر يعطى ليلةٍ القدرِ

أيا نسيماً كخمرٍ زار معبدَنا

لم ندرِ أنّا قطعنا الشفعَ بالوترِ

وراهباً لجلال الله منقطعاً

لمّا رآك سلا واشتاق للسَمَرِ

كأن عينيك آياتٌ يرتلها

شيخ المدينة بالتوراةِ والزبرِ

…………

شاهد أيضاً

رائحة المطر والطين في مجموعة ” قهوة بوتيرو ” للكاتب حسام المقدم .. بقلم شيماء عزت .. مصر

… حسام المقدم قاص صدر له رواية ومجموعتين قصصتين  كما نال العديد من الجوائز أهمهم  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *