الرئيسية / القصة القصيرة / أُخُوَّة .. فكري داود .. مصر

أُخُوَّة .. فكري داود .. مصر

14383383_1440416869308076_142037463_n

 

على أعيننا والله، ما فعلناه معك ياإبراهيم، ولولا خشيتنا من جدنا؛ الذى أسموك على اسمه، ولك منزلة أعلى في نفسه، لفعلنا أكثر وأكثر، كم حاولنا احتمال مزاحك الثقيل دون رد، لكن تماديك لم يترك لنا اختيارا آخر….

تقتصر مجموعة صغارنا، على أبناء عمومه وخئولة وعمات وخالات.

ولأن عائلتنا غالباً، ما تتزاوج من بعضها البعض، اعتادت آذاننا على كلمات كبارنا، بأننا جميعاً أخوة، وسادت بيننا عبارات على شاكلة: أخونا أحمد فعل كذا.

أوأخونا محمود نجح،… وهكذا.

ويد الأخوة دائما واحدة – هكذا يردد جدى -، ونحن من ورائه نردد، أونؤَمِّن بهزات رءوسنا دون نقاش، بداخلنا يقين بأنه لا فكاك من هذه الحقيقة، التى سكنت قلوبنا ووجداننا، يظهر ذلك دوما، فى ردود أفعالنا، عند أى عدوان يمسنا، كما يظهر في تجمعنا الحتمي، في مناسبات عائلية سعيدة أوكئيبة، لنُخدِّم على المشاركين في المناسبة، من أقارب أوأغراب.

اعتقاد دائم مقترن بالفعل، إلاَّ فيما ندُر، خصوصاً وأخونا إبراهيم، تأتيه أحياناً الجرأة أوالتناسى، ليخرق هذا اليقين، فتمتد يده إلى  قميص أخيه الأصغر، عند لعب الكرة، شاقاً إياه إلى نصفين، ولولا نجاحنا في الإمساك بكفه، لنال وجه الصغير لطمة ما بعدها لطمة ، لمجرد شروعه في الاحتجاج، على شق القميص.

ورغم تعنيف جدى له، قبل إجباره على تقبيل رأس أخيه، لم يتوان آخِر مرة، عن الضغط على رءوسنا، لتغوص تحت الماء للحظات عصيبة، ونحن نتحمم وسط الترعة .

قال وهو يكاد أن يغرق من الضحك:

من يضاهينى بدناً أوسباحة، يرُدُّ علىَّ بنفس الفعل، والحقيقة أن أحداً منا لم يرُد، حيث صدقت كلماته، حول بدنه القوى، وصدره البارز، ورأسه الضخم، ومهارته في العوم، والغريب أنه كان أول الباكين، عند رؤيته للدم، يسيل من جبهة أخٍ لنا، نتيجة انكفائه، على حافة قناة ماكينة الرى، أسمنتية البنيان، كما أن الفوبيا تتملكة بالأماكن المظلمة، أوالمقبلة على الإظلام.

   يومها لم يترك لأيَّ منا، فرصة البقاء بالترعة، وصارت صُفرة شمس العصر، غائمة في عيوننا، زعق وسط مجراها الدافيء:

الرجل منكم ينزل هنا.

قلنا – بعد اتفاقنا عليه -؛ إن كنت رجلاً بجد، عليك بنزول بئر الماكينة، واصطياد إحدى سمكاته.

دعَك عينيه بظهرىّ كفيه، وانتفض عُودُه خارجاً كوحش غاضب، قال:

والله لابد أنزل البئر، ولابد من الاصطياد، بدلاً من السمكة عشر

قلنا: هه… خلينا نشوف.

 كانت الماكينة بطالة، والماء بالبئر عالية المنسوب، لارتفاع منسوبها بالترعة، التى ترتبط بها، بماسورة نائمة تحت الطريق.

توقف عند حافة البئر متأهباً، قال:

سأنزل حالاً، لكن على شرط.

قلنا: اشرط

قال: تأتون بسلبة الحبال المتينة، من حجرة الماكينة، تتمسكون جميعاً بأحد طرفيها، بينما أتعلق أنا بطرفها الأخر، لأنزل على مهل.

قلنا: شرطك مُجَاب.

قال مكملاً: البئر عميقة كما تعرفون، فلا تبرحوا المكان، قبل انتهائي من الصيد، وصعودي إلى البر.

قلنا: تمااام.

وعليه تشبثنا بطرفنا من السلبة، فيما أمسك هو بطرفه نازلاً، ومقدمىً قدميه تلامسان جدار البئر، حتى استقر وسطها، شارعا في إعمال ذراعيْه هنا وهناك، محاولاً الإمساك ببعض الأسماك.

وسيطرت علينا نوبات من الضحك، ونحن نراها تتقافز منفلتة من بين يديه، حتى أنهكه الإعياء تماماً، فانتصب واقفا، وهو يكاد يتسول من ألسنتنا، أيَّة كلمة تُطالبه بالخروج، أوحتى أية إشارة.

إلاَّ أن شعورنا بالموت تحت ماء الترعة، وهو يضغط رءوسنا مرة بعد مرة، لم يفارقنا بعد، كما أن اتفاقنا على الثأر منه، لم يهدأ بداخلنا بعد.

 سحبنا سلبة الحبال لأعلى، لنحرمه من طرفه، المفترض إمساكه به عند الخروج، ورقصت قلوبنا، ونحن نرى العتمة تتسلل وسط البئر، فيما تحاول عيناه بصعوبة، منع دمعهما من السقوط، وحَلْقُه مُمْسِكٌ تماماً، عن إطلاق كلمات التوسل، التى انفجرت عالية، ملاحقة هروبنا المُدَبَّر، متعمدين التأخر في العودة إلى البيت،

الذى ما كدنا نتخَطَّى بابه، بقلوب مرتجفة، حتى اصطدمت أنظارنا، بقرفصة إبراهيم الأرضية، إلى جوار جدنا، مُطرق الرأس مكسور العين.

فيما نزع الجدُّ، غلالة الارتجاف عن قلوبنا، وهو يشير نحو رأس إبراهيم المُطْرِق، قائلاً: والله يستاهل.

………………….

شاهد أيضاً

زيارات ليلية .. حنان عزيز .. مصر

… وكما تنتظره كل مرة فى موعد عودته، ظلت واقفة حتى وضع المفتاح في الباب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *