الرئيسية / القصة القصيرة / أمطار صيفية .. حنان عزيز .. مصر

أمطار صيفية .. حنان عزيز .. مصر

أسير قدما دون الالتفات إلى الخلف، تراودني رغبة مستعرة في تركه ينادى بعلو صوته، ولا ألتفت، أسير كقطار إلى الأمام، ولا ألتفت، فيما قطرات المطر الصيفي لم تعد تترك أثرا تحت قدمي على أسفلت الشارع، هو الرجل الثالث في حياتي، هل أقدم على نفس التجربة؟ لاح لي في البداية أنه مختلف، فأحببته، لماذا حين يحب المرء، يترك المحبوب يده ويطمئن إلى أن ذلك الحب أبدي، أحببته بجد، بينما يقول أنه يحبني، فهل كنت أتوهم الحب، وأتوهم انه يحيطني كدرع، وأنه الهدية الحقيقية لتربت كتفي وتكون معي حصنا في مواجهة واقع كئيب ومخيف؟

بالأمس مد يده بسلسلة ذهبية، وقال: ما رأيك؟ قلت: جنان! لماذا تفرح النساء بالذهب؟ ولماذا لم أتمالك نفسي وأنا أرفعها إلى صدري وتنطلق مني زغرودة تلقائية، فيلتفت المحيطون ويغمرونا بالحب والابتسام، الزغرودة التلقائية بالأمس هي الحدث الوحيد الذي لفت انتباه الجميع، ألهذه الدرجة يتعطش الناس إلى لحظة فرح فظلت عيونهم تطاردنا، وأيديهم تلوح لنا دون أن يبدو لهم تفاصيل الفرح، لكنهم استشعروا أن اثنين في حالة سعادة تنطلق من بينهما زغرودة، دفعته لأن  يرفع يديه، ويلفها حول عنقي، فخرج التصفيق من المحيطين تلقائيا، فأميل عليه بجذعي بامتنان لا تخطئه عين، وحب يليق بهذا التلويح وهذه الابتسامات حتى غادرنا المكان، في هذه اللحظة لم أكن أريد العودة إلى البيت، وودت لو ذهبنا إلى كوخ صغير في منطقة معزولة وهادئة، أخاف من العودة إلى البيت والنظر في وجه سلمى التي صارت تنظر لي بحذر، وتوجس، كأنها تشعر بما يحدث، فتبادرني بالقول إنها التي تريد أن تتزوج، تريد أن تكتفي بهذا القدر من الدراسة وتذهب إلى عريس وتحلق معه، كأنها تريد أن لا أنتبه لنفسي، ما إن لمحت الفرح على وجهي حتى قلبت وجهها وتساءلت بسخرية ومرارة عن السبب المفاجئ لهذه الحلاوة وهذا الجمال، تتلمس شعري، وتتحسس جسدي كأنها ضُرة أو خصم وليست ابنة، كانت ملامح الغيرة واضحة، فضممتها في حضني وقلت يا سلمى أبدا، لحظة سعادة مرت هل تستكثرينها على أمك؟ خلصت نفسها، وتوارت الغيرة قليلا، وقالت وهي تضحك: إنها تعاكس المزة لا أكثر، سلمى في هذه المنطقة ليست ابنتي، هي ابنة أبيها الذي كانت تستفزه مشاهد الفرحة، فيقلبها نكد، منذ زوجني أبي له بدون إرادتي وكنت صغيرة حتى جاءت سلمى، لم يكن يحبني، ولا يحب أحدا غيري، كأن جهاز الحب عنده معطل، أو غائب، الزواج طقس اجتماعي، لم أطلب منه سوى أن يبدي اهتماما بي، لكنه ظل كما هو حتى استحالت الحياة، فانفصلنا، وظهر من ظننت أنني أحبه، ويحبني، تزوجنا فأنجبت خلود، طفلة جميلة، كان وسيما، ومحبا، وأليفا، سحرني بكلامه، وانتبهتُ على علاقاته الخارجية، اعتمدت عليه كلية، فأوكلت إليه تصريف شئوني وتفرغت للحب وللبنتين، فلم أنتبه إلى إساءة التصرف في أموالي، لأنني مسئولة عن سلمى، وهو يحب سلمى لكنه غير ملزم بالصرف عليها، سارت الحياة جميلة وبديعة حتى طلبني ذات صباح في لجنة مرور، أمام ضابط شرس، وطلب مني إحضار رخصة السيارة، أريتها للضابط المتعنت، فتراجع عن سحب السيارة واكتفى بتحرير مخالفة فقط، فشكرته وفي اليوم التالي طلب مني تغيير الرخصة باسمه، ففعلت، حتى صحوت على خطاب من البنك يفيد بأن الرصيد صفر، سألته، فهز رأسه، قلت والسيارة، فأجاب بلا مورابة أنه باعها، صرخت في وجهه، فغادر البيت، ولم يعد. هل كنت مغيبة إلى هذه الدرجة فلا أراجع البنك ولا أسأل لأجد أن الضابط صديقه؟ قبل أن يتركنا ويترك لي خلود الجميلة نواجه الحياة.

أمتلك قدرة على المواجهة لكنني أفتقد التقييم الصحيح للأخرين، هكذا قال صديقي الذي وجدني ملزمة بمصاريف البنتين، ومواجهة العالم، وحدي، ربما ذلك ما لفت انتباهه، وجعله يشيد بقدرتي على الصمود، والاحتفاظ في ذات الوقت بهذا الرونق، سألته أي رونق، فقال ألا تنظرين في المرآة، قلت: قليلا، تعرف أن ظروف الحياة ضاغطة، وأنا لا أهتم بأمور لم يعد لها مجال، فأشاد بهذه الروح الرجولية المقاتلة التي تخبئ خلفها أنوثة مفرطة، في المساء وقفت أمام المرآة بعد حمام دافئ، فهالني الجمال، ووجدت كلامه صحيحا، وفي اليوم التالي حين التقينا صرخ قائلا: “الم أقل ذلك؟”، واشاد بهذا التحول، فأخبرته أنه تحول لا إرادي، وان الحب الذي يدخل إلى الحياة فينيرها، ويجعل كل شيء مبهجا، حتى أن سلمى سألتني أيضا: ما بك؟

بالأمس، فاجأني بالسلسلة، وفهمت من لمساته الرقيقة، حين لفها حول عنقي أنه يحبني، دمعت عيناي، فقال هي لك، وليس من الضروري أن تلبسينها، أمسكت بالفكرة، وشكرته، هو من يشعر بي، على حبي الغالي للذهب، ظللت أتأملها، وأقف في غرفتي وأضعها على رقبتي، وشعرت بأن الفرح قادم، والحياة قد تبتسم، بل من المؤكد أنها تبتسم الآن، وكانت تمطر في الخارج، مطرا صيفيا، حتى أنني خرجت إلى الشرفة، واستمتعت بقطرات المطر على جسدي شبه العاري، وفي المساء لم أنم، وظللت أحلق، كأنني فتاة مراهقة، أنتظر لقاءه، وقلت لخلود اطمئني، مصاريف المدرسة سأدفعها، وهاتف أبيك لا يرد، بالأمس قال إن والدته كانت تحتفظ بهذه السلسة الذهبية لتكون شبكة لعروسته، لم يحدد أي عروس، لكنني فهمت بالتبعية أنني المقصودة، وربما فهم المحيطون بنا أيضا، وهم يرونه يلفها حول عنقي بمحض إرادته وكنت قد استشعرت لحظة الشهامة تلك حين علم أن المدارس قادمة وهاتف والد خلود مغلق، لحظة الشهامة هذه جعلتني أقدر ذلك الرجل الذي يشعر بحبيبته، بينما والد البنت سارح في الحياة وتزوج بأخرى، وأنجب ويغلق هاتفه قبل افتتاح المدارس.

في نفس المكان الذي شهد زغرودة الأمس جلسنا، هل كان يبدو عليه الارتباك، لم أكن منتبهة، كنت مستعدة لاستقبال جرعة من الحب والعواطف، وكنت أتكلم بلا انقطاع، حالة من التدفق التلقائي والمحب، لكنه كان مرتبكا، يستمع كأنه ينتظر لحظة ليقول شيئا، سألته هل هناك شيء يقلقك، فقال في تحفظ إن والدته لاحظت اختفاء السلسلة، سألته ألم تتركها لتكون شبكة للعروسة، قال: نعم، لكنها عروسة أخرى، لم أشعر بمأزقه بقدر ما شعرت بالمأزق الذي وُضعتُ فيه، حاولت التغاضي عن الآمر، لكنه طلبها صراحة، فارتبكتُ، وتوقفت القطرات الصيفية، فهممت وقلت: هيا إذن، انتظرني أسفل البيت ريثما أعيد السلسلة، فنهض، وظل منتظرا حتى ناولتها له، ثم استدرت سائرة إلى الأمام كقطار، كان ينادي، ولم أكن ألتفت، ولم تكن القطرات الصيفية قد تركت أثرا على الأسفلت، تحت قدمي، وللمرة الأولى أعرف أين يكمن الخطأ على وجه التحديد، فأتركه وهو ينادي بلوعة وأظل سائرة إلى الأمام  كأنه نداء غير حقيقي، يتلاشى ولا ألتفت، حتى سمعت بوضوح  صوت السيارة وهي تدور وتنطلق.

…………………….

 

 

 

شاهد أيضاً

زيارات ليلية .. حنان عزيز .. مصر

… وكما تنتظره كل مرة فى موعد عودته، ظلت واقفة حتى وضع المفتاح في الباب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *